ويسجل هذه الملاحظة «هيغل» فيقول: وإذا انتقلنا من الأفراد وأذواقهم الجزافية، إلى التأمل في الأذواق الملحوظة في أمم شتى لوجدنا أنها بدورها تختلف من أمة إلى أمة أخرى .. وأن مفهوم الصيني عن الجمال يختلف عن مفهوم الزنجي، وأن لهذا الأخير طبيعة مغايرة لطبيعة الأوربي، وبالفعل، إذا تأملنا في الأعمال الفنية لتلك الشعوب غير الأوربية، وفي صور آلهتها .. لوجدنا أن تلك الصور، العظيمة الجلال في أنظار تلك الشعوب، ما هي إلا أوثان كريهة، مثلها في ذلك، من جهة أخرى مثل موسيقاها التي ترن في آذاننا على نحو لا يقل بشاعة، بينما تجد تلك الشعوب من جانبها، تماثيلنا ورسومنا وموسيقانا غير ذات معنى، بله سخيفة وقبيحة [1] .
إن هيغل لم يهتد إلى تعليل صحيح لهذا الاختلاف، ولو أنعم النظر قليلًا لوجد أن العالم الإسلامي، على اختلاف شعوبه .. وعلى سعة رقعته، وعلى امتداده عبر القرون، لا وجود فيه لتلك الظاهرة. فليس هناك شيء جميل في نظر بعض المسلمين .. قبيح في نظر بعضهم الآخر. قد يحصل خلاف على مستوى درجة الجمال، فيكون الشيء جميلًا في نظر شعب وجميلًا جمالًا أخاذًا في نظر شعب آخر، أما أن يكون الخلاف حول الأصل، أي بين القبح والجمال فهذا أمر لا وجود له.
ومرجع ذلك ولا شك إلى الوحدة .. التي قررها المنهج في بناء هذه الأمة [2] .
الفنان هو الإنسان الذي يتجسد فيه الحس الجمالي، فيغدو مرهف الحس قوي الملاحظة، سريع البديهة، يستنبط الجمال ويتتبع خيوطه الدقيقة الشفافة في كل ما تقع عليه عينه ..
وهو قبل هذا، ذلك الإنسان السوي المتوازن [3] .
قد ترتفع مشاعره وأحاسيسه في جانب، ولكنها لا تهبط في أي جانب آخر عن «الحد الأدنى» الذي سبق الحديث عنه.
ولكننا حين ندرس حياة كثير من الفنانين الغربيين، لا نجد هذا التوازن، وإنما نجد تضخمًا في جانب وهزالًا في جوانب أخرى، ونجد ارتفاعًا في زاوية وانخفاضًا في زوايا متعددة، الأمر الذي جعل من الفنان إنسانًا غير سوي .. حتى اعتبرت الفنية والإبداع حالة من الهوس أو المرض ..
إن مشاعر الحس الجمالي في نفس الفنان ينبغي أن تنير بشعاعها كل جوانب نفسه .. حتى يكون عطاؤه جميلًا في كل الاتجاهات.
إن «شكسبير» شاعر الإنكليز الكبير، كان - كما هو مشهور عنه - لا يهتم بنظافة نفسه، وكان إذا لبس ثوبًا جديدًا لا يخلعه حتى يبلى؟!.
(1) ... المدخل إلى علم الجمال. تأليف هيغل ص 87 - 88 ترجمة جورج طرابيشي.
(2) ... انظر فصل (الوحدة الفنية) في الجزء الثاني من هذه الدراسة.
(3) ... انظر بالتفصيل حديثنا عن الفنان في كتابنا «الفن الإسلامي التزام وإبداع» .