ولقد أدى هذا الخلل إلى خلل نفسي لدى كثير من الذين يدعون الخبرة الفنية .. والذوق الفني .. فتظاهروا بغير قناعاتهم، فأظهروا إعجابهم بما لا يعجب، وغضوا من مكانة أعمال فنية .. تقليدًا للآخرين. وهذا الأمر قد تنبه له «سانتيانا» وأشار إلى جانب منه بقوله:
«من أكبر الدلائل على النفاق عدم التأثر بالجمال الحسي، فحينما يظهر على الناس أنهم لا يحفلون بالآثار الأولية الأساسية، وحينما يعجزون عن رؤية الصور اللهم إلا في الإطارات، أو رؤية أي جمال في غير نتاج كبار الفنانين، حينئذٍ يحق لنا أن نشك في صدقهم، ويحق لنا أن نظن أنهم إنما يرددون الكلام كالببغاوات، وأن معرفتهم التاريخية واللفظية إنما تخفي وراءها نقصًا طبيعيًا في إحساسهم بالجمال» [1] .
ونستطيع القول بأن السبب المباشر لهذا الخلل هو فصل الذوق الفني عن الذوق الجمالي، حيث فقد الأول أهم خصائصه.
تبين لنا مما سبق كيف استطاع المنهج الإسلامي أن ينطلق بالحس الجمالي انطلاقًا متوازنًا بحيث يغطي دائرة المشاعر في كل جوانب النفس من جهة، وفي كل جوانب الحياة من جهة أخرى.
ثم كانت مهمة التربية الجمالية بعد ذلك هي تنمية هذا الحس بالأسلوب نفسه، بحيث يكون هذا النماء متوازنًا، فيكون انتشاره على السطح في دوائر يعقب بعضها بعضًا، كما يتجه إلى الأعماق بالأسلوب نفسه، وقد كان للمنهج أثره الكبير في مساعدة التربية، بحيث تكون نماء للأصل، وبهذا ضمن التوازن في بناء الحس الجمالي.
وبناء على ذلك، كانت رهافة الحس عامة، ودقة الشعور شاملة فلم تكن استطالة في جانب على حساب تجويف في جانب آخر، أو تضخمًا في جهة وضمورًا في جهة أخرى.
وقد سبقت الأمثلة على ذلك في الباب الثاني من هذا الكتاب، حينما تحدثنا عن جمال الظاهر وجمال الباطن.
أما في علم الجمال الحديث فقد قُصر موضوع الحس الجمالي على الحس الفني، وهكذا ضُيقت الساحة، ثم اقتصر على جانب من جوانبها. فهبطت كفة وارتفعت أخرى فكان ذلك الخلل الكبير ..
وهو ما نتحدث عنه في الفصل التالي ..
(1) ... الإحساس بالجمال. تأليف «سانتيانا» ص 104 ترجمة محمد مصطفى بدوي.