فهرس الكتاب

الصفحة 128 من 138

«أمراء للبيع»

عنوان اختاره الرافعي لإحدى قصصه.

واختيار العنوان أمر مهم، فهو المادة التي تجذب القارئ وتشده، ثم هو بعد ذلك، إما أن يظل مشدودًا، وإما أن يفلت .. وذلك مرهون بمقدرة الكاتب ومهارته وإبداعه.

والرافعي واحد من أمراء البيان، الذي لا يحتاجون إلى إغراء القارئ، ذلك أن كلماته مضيئة بحد ذاتها، ما إن يلمحها المشاهد حتى ينجذب إليها، ثم ما تزال تصعد به وتحلق .. وإذا الصور والمعاني يتبع بعضها بعضًا شعرًا، ترفع عن القافية لأن جرسه وموسيقاه أعلى من أن يخضع إلى الرتابة والحرف المكرور.

وما لنا؟ قد ذهب الحديث بنا، بعيدًا عن العنوان، لنتحدث عن الرافعي علمًا بأن هذا العنوان ليس من إبداع فكره ولا من وحي قلمه. إنه من صياغة العالم الفقيه العز بن عبد السلام.

إن العزَّ لم يكن بصدد صياغة قصة يفتش لها عن عنوان، كما لم يكن ممن يهتم بتنميق الألفاظ وانتقائها، فلم يعمل فكره في الاختيار، ولكنها العفوية النابعة من الواقع.

إنها مجرد كلمات كان العز ينادي بها في السوق في ذلك اليوم الذي قام فيه يبيع الأمراء في المزاد.

إنها الحقيقة، لا الخيال، والواقع لا الوهم .. فقد بيع الأمراء .. !!

أما كيف حدث ذلك .. فهو ما نتركه لقلم الرافعي ليسجل لنا الخبر، فالمعنى العظيم فينبغي أن يكتب بقلم كبير. . وعندها تكون الكلمات قوالب للمعنى، فهي ليست فضفاضة تشوهها المبالغات، وليست ضيقة، تعجز عن اتساع المعنى .. فإذا هي متمزقة لصغرها.

إنها لوحة، خطها العزّ واقعًا في الحياة، وجاء الرافعي فلفت النظر بقلمه إلى بعض مواطن الجمال فيها.

لوحة تأبى أن تدخل سوق المساومات، فهي ليست مما يباع ويشرى وليست مما يقتنى في المتاحف .. ثم يدخل عالم النسيان. ولكنها مشهد يستقر في القلوب وتخلده الأفئدة.

إنها خلاصة منهج صنع الرجال .. فصنعوها، لتكون مراكز إشعاع وإضاءة في تاريخ الإنسانية الطويل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت