ونحن إذ نسوق هذه اللوحة تحت العنوان الذي اختاره الرافعي، فإنا نلفت النظر إلى أن الجمال كامن فيها، فهو في كل نقطة وكل خط وفي كل زاوية وكل ظل .. إنها بحاجة إلى التأمل ثم التأمل، والجمال لا يمل أبدًا.
فإلى الرافعي قلمًا، وإلى العز عملًا ..
وما معنى علماء الشرع إلا أنهم امتداد لعمل النبوة في الناس دهرًا بعد دهر، ينطقون بكلمتها، ويقومون بحجتها، ويأخذون من أخلاقها كما تأخذ المرآة النور: تحويه في نفسها وتلقيه على غيرها، فهي أداة لإظهاره وإظهار جماله معًا.
أتدري يا ولدي ما الفرق بين علماء الحق وعلماء السوء وكلهم آخذ من نور واحد لا يختلف؟ إن أولئك في أخلاقهم كاللوح من البلور: يُظهر النور نفسه فيه ويظهر حقيقته البلورية، وهؤلاء بأخلاقهم كاللوح من الخشب يظهر النور حقيقته الخشبية لا غير!
وعالم السوء يفكر في كتب الشريعة وحدها، فيسهل عليه أن يتأول ويحتال ويغير ويبدل ويظهر ويخفي، ولكن العالم الحق يفكر مع كتب الشريعة في صاحب الشريعة فهو معه في كل حالة يسأله ماذا تفعل وماذا تقول؟
قال الإمام: وما رأيت مثل شيخي سلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام، فقد كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شيئًا تصنعه طبيعته كما يصنع جسمه الحياة، فلا يبالي هلك فيه أو عاش، إذ هو في الدم كالقلب: لا تناله يد صاحبه، ولا يد غيره، ولم يتعلق بمال ولا جاه ولا ترف ولا نعيم، فكان تجرده من أوهام القوة لا تغلب، وانتزع خوف الدنيا من قلبه فغمرته الروح السماوية التي تخيف كل شيء ولا تخاف، وكان بهذه الروح كأنه تحويل وتبديل في طباع الناس، حتى قال الملك الظاهر بيبرس وقد رأى كثرة الخلق في جنازته حين مرت تحت القلعة: الآن استقر أمري في الملك، فلو أن هذا الشيخ دعا الناس إلى الخروج عليَّ لانتزع مني المملكة!.
وكان سلطانه في دمشق الصالح إسماعيل، فاستنجد بالإفرنج على الملك نجم الدين أيوب سلطان مصر، فغضب الشيخ وأسقط اسم الصالح من الخطبة وخرج مهاجرًا، فأتبعه الصالحُ بعضَ خواصه يتلطف به ويقول له: ما بينك وبين أن تعود إلى مناصبك وما كنت عليه، وأكثر مما كنت عليه إلا أن تتخشع للسلطان وتقبل يده. فقال له الشيخ: يا مسكين! أنا لا أرضى أن يقبل السلطان يدي! أنتم في واد وأنا في واد!
ثم قدم إلى مصر في سنة 639، فأقبل عليه السلطان نجم الدين أيوب وتَحَفَّى به وولاه خطابة مصر وقضاءها، وكان أيوب ملكًا شديد البأس لا يجسر أحد أن يخاطبه إلا مجيبًا، ولا يتكلم أحد بحضرته ابتداء، وقد جمع من المماليك الترك ما لم يجتمع مثله لغيره من أهل بيته، حتى كان أكثر أمراء عسكره