وكتب الشاعر الفرنسي «شارل بودلير» [1812 - 1867] ديوانه «أزهار الشر» ، ذلك الديوان الذي فاق فيه كل من كتبوا في الأدب المكشوف بما ساقه من وصف جنسي لنزوات المرأة وحياتها الشهوانية، وأجزاء جسمها، وغير ذلك من مسائل، قد يمنع الحياء من التحدث عنها، كما يقول الدكتور محمد علي أبو ريان [1] .
واستنكر الناس فعله .. وحكم القضاة بمصادرة ديوانه.
ووقف كل من «أميل زولا» و «فيتكور هيجو» يدافعان عنه، بل إن «فيكتور هيجو» رمى القضاة بالجهل والتعصب وعدم تذوق الأدب، وبأنهم خانوا حرية الفن.
ونحن لا نشك في الذوق الأدبي لهيجو أديب فرنسا الكبير، ولا نشك بأنه أكثر تذوقًا للأدب من القضاة الذين هم رجال قانون ... ولكن السؤال المطروح: ما هو المقياس الذي اعتمده كل من الفريقين؟.
قد يقال: إن هيجو أعطى حكمه بمقياس أدبي، وأعطى القضاة حكمهم بمقياس أخلاقي.
ولكنا نقول: فأين التنسيق بين المقاييس، حتى لا يقع هذا التناقض العجيب ..
وأما النحات الفرنسي المشهور «رودان» فإن معظم تماثيله، هي أجساد نساء عاريات، قد أبرز فيها ملامح الأنوثة الصارخة ..
وقد وجد من استحسن ذلك ورآه غاية في الفن والجمال، ووجد أيضًا من استهجن فعله واستقبحه .. ونتساءل: ما هو المقياس؟.
ورسم «أدوار مانيه» لوحته المشهورة «أوليمبيا» ، فثار النقاد في وجهها قائلين عن تلك المرأة التي صورها، إنها نوع من أنثى الغوريلا، إنها مسخ دميم من المطاط محاط بالسواد، إنها نموذج التقط من أحط أوساط الصعاليك، ذات بطن صفراء مقززة، ترقد على الفراش عارية، وتتحدى كل قيم الذوق الجميل والأخلاق الفاضلة، وعلق النقاد أيضًا على هذه اللوحة بأنها شيء مضحك ..
ولكنها لوحة مشهورة .. فما هو المقياس؟.
تلك أمثلة يسيرة من عالم يضج بالمتناقضات، تعطلت فيه المقاييس وما ذاك إلا لفقدان المنهج الذي ينسق ويوازن بين الأنظمة وبين القيم فلا يتعارض الحق مع الخير ولا يتعارضان مع الجمال .. وتلك هي خاصية المنهج الإسلامي التي تفرد بها .. فلم يشاركه غيره فيها.
وكان من آثار غياب المنهج اختلاف الذوق الجمالي من أمة إلى أمة أخرى، وقد يصل هذا الاختلاف - بعض الأحيان - إلى التناقض، فالشيء الجميل في نظر أمة، قد يكون قبيحًا في نظر أمة أخرى.
(1) ... انظر فلسفة الجمال. محمد علي أبو ريان ص 117.