إن أهل سمرقند شكوا ظلمًا وتحاملًا من قتيبة عليهم، حتى أخرجهم من أرضهم، فإذا أتاك كتابي فأجلس لهم القاضي فلينظر في أمرهم، فإن قضى لهم فأخرج الجند إلى معسكرهم كما كانوا وكنتم قبل أن يظهر عليهم قتيبة [1] .
كان الكتاب بأيديهم وهم بين مصدق ومكذب!! وإذا نصب القاضي - وهو من الفاتحين - فكيف يقضي لهم ..
كان وفدهم يناقش هذه الأسئلة وغيرها وهو في طريق عودته من دمشق إلى سمرقند.
ووصل كتاب عمر إلى سليمان ..
واختير القاضي لهذه الخصومة .. فكان، جميع بن حاضر الناجي ..
وجلس المتخاصمون بين يديه .. كل يدلي بحجته ..
وكانت الأدلة مؤيدة لأهل سمرقند ..
وحكم القاضي .. أن يخرج الجند من سمرقند إلى معسكرهم ..
وينابذوهم على سواء .. فيكون صلحًا جديدًا .. أو ظفرًا عنوة .. أو ..
لم يسمع الحاضرون وحدهم حكم القاضي. وإنما سمعته أذن الزمان فسجلته لترويه للأجيال القادمة جيلًا بعد جيل .. إنه قضاء الإسلام .. وإنه حكم الإسلام .. وإنه عدل الإسلام.
فهل هناك ذروة تعلو هذه الذروة.
وهل هناك جمال يفوق هذا الجمال.
وهل تمتلك أمة ما لوحة تشبه هذه اللوحة أو تداينها؟!
وكان الجند على وشك الخروج عندما طلب أهل سمرقند بقاءهم لأن هذه الخصومة بتسلسل أحداثها .. فتحت قلوبهم لهذا الدين، فلما يعد هناك من حاجة لخروج الجند .. فقد أصبح أهل سمرقند بعدها كتيبة من كتائبه ..
وكان فتحًا آخر لسمرقند ..
مشاركة أكثر من وجدانية
ما يزال الإحساس بالجمال يرهف الحس، ويرتقي به حتى تصل النفس إلى درجة من الشفافية بحيث تنفذ إليها كل المشاعر وكل العواطف وكل الأحاسيس.
(1) ... تاريخ الطبري 6/ 567 - 568 حوادث سنة 101 هـ والكامل 4/ 162 - 163.