فهرس الكتاب

الصفحة 124 من 138

وعندها ترق النفس وتشف، وتصبح في هموم الناس، لا في همِّ ذاتها، وفي أفراحهم وليس في فرحها. فإذا هي عضو في جسد، وفرد في مجتمع، لا يعيش بذاته، بل يعيش بغيره ولغيره .. فحياة بقية الأعضاء حياة له وسعادتهم سعادة له وحزنهم حزنه.

يحدث ذلك عندما يرتقي الإنسان إلى سمو الإسلام، فيعيش معانيه، فإذا هو معنى من هذا المعاني، وقد تجسدت على مسرح الحياة .. يحكي قبسًا من معين من كان خلقه القرآن.

ذاك بعض ما ذهب إليه الفكر حين قرأت خبرًا من أخبار بشر الحافي [1] .

يقول الخبر: «قال بعضهم: دخلت على بشر بن الحارث في يوم شديد البرد، وقد تعرى من الثياب، وهو ينتفض، فقلت: يا أبا نصر، الناس يزيدون في الثياب في مثل هذا اليوم، وأنت قد نقصت؟!

فقال: ذكرت الفقراء، وما هم فيه، ولم يكن لي ما أواسيهم به، فأردت أن أرافقهم بنفسي في مقاساة البرد» [2] .

إن البرد الذي أصابه لم يكن ليخفف من برد الآخرين، ولكنه إعلان عن مشاركة تجاوزت العواطف إلى المشاركة الحسية، فإذا هو عضو من الجسد حقًا.

إن الأعضاء السليمة في الجسد، حينما يشتكي عضو ما، تشاركه تلك الأعضاء آلامه وسهره. إنها لا تخفف بذلك من ألم العضو شيئًا، ولكنه الإعلان عن المشاركة الفعالة حسًا ومعنى.

قد يبدو هذا الإحساس أمرًا سلبيًا لا فائدة منه، ولكنه غاية في الايجابية. إنه المشاركة الوجدانية والعاطفية والحسية وتلك أعلى درجات المشاركة.

إنها لقاء مع «كن أبا خيثمة» [3] وحينما يغيب من مشاعر المسلم .. (كن أبا خيثمة) فذلك هو الجفاف والجفاء والخواء.

(1) ... هو بشر بن الحارث بن عبد الرحمن بن عطاء ..

كان من كبار الصالحين وأعيان الأتقياء المتورعين. أصله من مرو وسكن بغداد. وكان من أولاد الرؤساء والكتاب.

ولد سنة 150 هـ وتوفي سنة 226 هـ.

[انظر في ترجمته: وفيات الأعيان 1/ 274 - 276] .

(2) ... الرسالة القشيرية. باب الجود والسخاء.

(3) ... بعد مضي جيش الإسلام إلى تبوك بقيادة الرسول صلى الله عليه وسلم تخلف بعضهم ومن جملتهم أبو خيثمة.

ودخل أبو خيثمة بيته، بعد مضي الجيش، فنظر إلى امرأتيه وقد هيأتا له الطعام والماء البارد، فقال: رسول الله في الضح والريح والحر، وأبو خيثمة في ظل بارد وطعام مهيأ، ما هذا بالنصف. ثم قال: والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله صلى الله عليه وسلم. فارتحل ناضحه ثم خرج حتى أدركه حين نزل تبوك، فلما دنا، قال الناس: هذا راكب على الطريق مقبل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كن أبا خيثمة» فقالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو والله أبو خيثمة ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت