قلوبكم وأعمالكم» [1] .. ومما يدل على أن الجمال الباطن أحسن من الظاهر أن القلوب لا تنفك عن تعظيم صاحبه ومحبته والميل إليه [2] .
وهكذا التقت الآراء على أمر مشاهد، ولم تكن تلك الآراء إلا تقريرًا للواقع، فلا مشاحة في تقديم جمال الباطن على جمال الظاهر، وتلك حكمة الله تعالى أن كان الأمر كذلك. فجمال الباطن حصيلة لإعمال العقل وإرادة العلم والتخلق بالفضائل .. وكلها قضايا للكسب أثره الكبير في إيجادها أو صبر النفس عليها. أما جمال الظاهر فهو أمر لا دخل للكسب فيه وهو زينة خص الله بها بعض عباده.
إن هذا الأمر المقرر الواضح - وهو تقديم الجمال الباطن - لم يكن كذلك في العالم الغربي الحديث. حيث اعتبر الظاهر كل شيء .. وقامت مسابقات الجمال .. وانتخبت الملكات .. وأخضع هذا الاختبار لمقاييس مثالية من قياس الطول والصدر ..
وقد هال الأمر العقلاء في تلك المجتمعات، فقاموا يتحسرون على ما وصل إليه فكرهم من إسفاف مادي. ومن هؤلاء «الكسيس كاريل» الذي قال:
«لقد طبقنا على الإنسان آراء تتصل بالعالم الآلي، فأهملنا التفكير والعفو الأدبي والتضحية والسلام، وعاملنا الفرد كما نعامل المادة الكيمائية والآلة ... لقد قضينا على وظائفه الأدبية والجمالية والدينية» [3] .
ويتحدث عن الجمال الباطن وعن ندرة وجوده فيقول:
«إننا قلما نشاهد أفرادًا يتبعون مثلًا أخلاقيًا أعلى في تصرفاتهم في المدينة العصرية، ومع ذلك فأمثال هؤلاء الأفراد موجودون فعلًا ... إننا لا نملك إلا أن نلاحظ تصرفاتهم عندما نلتقي بهم .. أما الجمال الأخلاقي فاستثنائي، وهو ظاهرة ملحوظة جدًا .. والشخص الذي يفكر فيه ولو مرة واحدة لا ينساه أبدًا .. وهذا الشكل من أشكال الجمال أكثر تأثيرًا بكثير من جمال الطبيعة والعلم .. إنه يمنح أولئك الذين يملكونه هبات جليلة الشأن، قوة عجيبة لا يمكن إيضاحها .. إنه يزيد قوة العقل، ويوطد السلام بين الناس .. والجمال الأدبي يفوق العلم والفن من حيث إنه أساس الحضارة» [4] .
وإذا كان الباطن هو المقدم، فإن آثاره تبدو واضحة على الظاهر سواء أكان ذلك في حالة الإيجاب أم في حالة السلب، وبتعبير آخر: سواء أكان ذلك في حالة الجمال أم في حالة القبح.
قال ابن القيم:
(1) ... رواه أبو هريرة، انظر «صحيح سنن ابن ماجه» 3342، «مختصر صحيح مسلم» 1776، «صحيح الجامع الصغير» 1862، «غاية المرام» 415. طبع المكتب الإسلامي.
(2) ... روضة المحبين ص 231 ط 1 دار الكتاب العربي، بيروت.
(3) ... الإنسان ذلك المجهول ص 308.
(4) ... المصدر السابق ص 153.