فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 138

{ ... وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ ... } [1] .

وهذا الصنف من الناس هم الذين سماهم الرسول صلى الله عليه وسلم «إمَّعة» ونهى عن مسلكهم. فقال:

«لا تكونوا إمعة، تقولون إن أحسن الناس أحسنا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساءوا فلا تظلموا» [2] .

إن «الإمعة» إنسان عطل عقله وأسلس قياده لغيره، لأنه لا رأي له ..

تلك هي أهم عوامل تعطيل العقل، وحتى ينهض لأداء مهمته، كان لا بد له من أن يتحرر منها حتى يبدأ العمل.

وبعد أن تحرر العقل، وتخطى تلك العقبات، ننتقل إلى الحديث عن ميدان عمله.

وتحديد هذا الميدان ضروري حتى لا تتبدد الطاقات، وتذهب هدرًا، والواقع الذي لا مرية فيه يقرر وجود عالمين: عالم الغيب، وعالم الشهادة.

والأول: هو العالم المغيب عنا، والذي تقصر حواسنا عن إدراكه.

والثاني: هو العالم المشاهد الذي نحسّه ونعيشه.

وقد استبعد المنهج الإسلامي أن يكون (عالم الغيب) مرتعًا للعقل الإنساني، ذلك لأن قدرته ليست مهيئة للعمل في هذا العالم، وقد جرب العقل نفسه في هذا المرتع فكان نصيبه الفشل الذريع.

ومع ذلك فإن الفكر كثيرًا ما يطرح أسئلته حول هذا العالم .. يتساءل عن الموت، وعما بعد الموت؟ عن نهاية الإنسان، وعن نهاية العالم؟ عن المصير والغاية .. ؟.

والإجابة على هذه الأسئلة ليست خاضعة للتجربة .. وكل مجهود يبذل في سبيلها .. فهو جهد ضائع.

ولذا كان منع العقل من ولوج هذا العالم رأفة به أن تبدد قواه.

وتلبية لأشواقه في معرفة هذا الغيب أعطاه المنهج كل الحقائق التي تلزمه، وهي مسلمات إيمانية قام الوحي بنقلها إلى الأنبياء .. وعن طريقهم وصلت إلى الناس.

وبهذا يتحقق للعقل ما يريده من المعرفة - وهي هنا معرفة يقينية - دون الدخول في متاهات لا نهاية لها.

وبهذا «تصان الطاقة الفكرية المحدودة المجال من التبدد والتمزق والانشغال بما لم تخلق له، وما لم توهب القدرة للإحاطة به.

(1) ... سورة إبراهيم [21] .

(2) ... رواه الترمذي في السنن. كتاب البر والصلة. باب 63.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت