تلك إطلالة سريعة ووقفة عابرة، أمام لوحة الكون كله وهو يؤدي حركة واحدة .. هي السجود .. وينشد نشيدًا واحدًا هو التسبيح.
لوحة كشف القرآن عنها الستار .. فأضحت ظاهرة لكل ذي لب ومن لم يتذوقها فقد حرم الحس كله .. ومن لم يعشها فقد هبط عن رتبة الأشياء وحرم الخير كله.
تناسق في الحركة يصاحبه تناسق في الأصوات، تشارك فيه الأرض والسماء، ومن في الأرض ومن في السماء.
ذلك هو الجمال.
وذاك هو الإحساس بالجمال .. أن يصبح سمعك قادرًا على تذوق ذلك اللحن العظيم الذي تشارك فيه الموجودات، وأن يكون بصرك حديدًا نافذًا يرى حركة السجود في كل شيء.
ومهما يكن من أمر، فلن يقبل منك أن تكون شاهدًا أو منصتًا، ولا بد من أن تأخذ دورك في هذا الأداء .. فتكون من الساجدين .. لسانك رطب من ذكر الله [1] ..
الصلاة
وقال صاحبي: لقد طال وقوفك أمام هذه اللوحة. مع أنها لوحة عادية متداولة.
قلت: كثرة تداولها جعلنا نغفل عن الجمال الذي فيها، وكثيرًا ما يذهب الإلف برواء الأشياء فينسى الذي يعايشها جمالها.
-ولكنك مكثت طويلًا!!
-لقد ذهب خيالي إلى اللوحات (التمهيدية) التي سبقت هذه اللوحة.
-وهل هناك لوحات تمهيدية؟.
-اللوحات ذات القيمة الفنية والجمالية، لا يخطها الفنان مباشرة بل يسبقها الإعداد الكبير. من لوحات جزئية أو تخطيطات تجريبية يستعين بها الفنان حتى يصل إلى غاية ما يريد.
أما أتيح لك أن تزور ملحق متحف البرادو في مدريد .. هناك حيث استقرت لوحة «الجورنيكا» في القاعة الكبيرة، وفي الممر الذي يؤدي إليها وصفّت اللوحات الأولية التي كانت السبيل إلى إنتاج اللوحة. وهل تظن أن ليوناردو دافنشي أمسك بالفرشاة لينتج «الجونكدا» مباشرة .. وقد ظل في رسمها أربع سنوات!
-وأين تلك التمهيديات لهذه اللوحة!
(1) ... جاء في الحديث (لا يزال لسانك رطبًا من ذكر الله) رواه الترمذي وقال حديث حسن - كما جاء في رياض الصالحين-.