«والجمال الباطن يزين الصورة الظاهرة وإن لم تك ذات جمال، فتكسو صاحبها من الجمال والمهابة والحلاوة بحسب ما اكتست روحه من تلك الصفات، فإن المؤمن يعطى مهابة وحلاوة بحسب إيمانه، فمن رآه هابه، ومن خالطه أحبه، وهذا أمر مشهود بالعيان، فإنك ترى الرجل الصالح المحسن ذا الأخلاق الجميلة من أحلى الناس صورة وإن كان أسود أو غير جميل، ولا سيما إذا رزق حظًا من صلاة الليل، فإنها تنور الوجه وتحسنه» [1] .
ثم يؤكد قوة أثر الباطن بقوله:
« .. فحسن الباطن يعلو قبح الظاهر ويستره، وقبح الباطن يعلو جمال الظاهر ويستره» [2] .
وإذا كان ابن القيم قد وضح لنا الأثر في الجانب الإيجابي، فإن الغزالي يوضح لنا هذا الأثر في جانبه السلبي، وذلك عندما تحدث عن الكبر.
قال الغزالي:
«الكبر خلق باطن، وأما ما يظهر من الأخلاق والأفعال فهي ثمرة ونتيجة .. » .
ثم يوضح ذلك فيقول:
«اعلم أن التكبر يظهر في شمائل الرجل، كصعر في وجهه، ونظره شزرًا، وإطراقة رأسه، وجلوسه متربعًا أو متكئًا، وفي أقواله حتى في صوته ونغمته وصيغته في الإيراد، ويظهر في مشيته وتبختره، وقيامه وجلوسه، وحركاته وسكناته، وفي تعاطيه لأفعاله، وفي سائر تقلباته في أحواله وأقواله وأعماله» [3] .
ويتبين مما سبق أن أثر الباطن كبير، بحيث لا يستطيع الظاهر أن ينفك عنه، ولهذا اتجه النظام الخلقي الإسلامي إلى التعامل معه لأنه هو الأصل.
وإذا كان الأثر بهذا الحجم، فإن المسلم مدعو للتخلق بالأخلاق الفاضلة، والابتعاد عن الأخلاق السيئة، حتى يجمل باطنه فينعكس ذلك على ظاهره، وقد كان الإسلام دعاه إلى تجميل ظاهره - كما سبق - وبهذا تلتقي تعاليم الإسلام لتوصل الإنسان إلى الصورة الجميلة، حسًا ومعنى.
وإذن، فعندما يجمل الباطن، فإنه يفيض من حسنه على الظاهر، وهذا أمر يحدث تلقائيًا، يحس به كل الذين يتعاملون مع الإنسان، وكذلك عندما يقبح الباطن، فإنه يلقي بظلاله على الظاهر .. فيعطي تلك الصورة البشعة التي يستشعرها المتعاملون معه.
تلك هي الحقيقة الواقعة.
(1) ... روضة المحبين لابن القيم ص 231 طبعة دار الكتاب العربي.
(2) ... المصدر السابق ص 232.
(3) ... إحياء علوم الدين 3/ 353 و 354.