العقل قد صاغ في الماضي مثل العدالة والحرية والديمقراطية، فإن هذه المثل حل بها الفساد في ظل هيمنة البورجوازية التي أدت إلى تحلل حقيقي للعقل. ومن هنا، بدت الحاجة إلى نظرية نقدية جدلية تستطيع أن تتعقل اغتراب العقل بالذات." [1] "
ونفهم من هذا أن النظرية النقدية ظهرت رد فعل على المثالية الألمانية، وكذلك رد فعل على الوضعية التجريبية التي كانت تدرس الظواهر الاجتماعية دراسة علمية موضوعية، بربط المسببات بالأسباب في إطار تصور آلي ميكانيكي. ومن هنا، فالنظرية النقدية هي قراءة نقدية للعقل الجدلي ليس بالطريقة الكانطية، بل في ضوء رؤية ماركسية واقعية جدلية. ومن ثم، تعمل النظرية النقدية على نقد الواقع الاجتماعي، وتقويض تصوراته الإيديولوجية الليبرالية، والبحث عن تجليات الاغتراب الذاتي والمكاني، سواء في النصوص والخطابات أم في واقع الممارسة. وتهدف النظرية النقدية حسب هوركايمر إلى تحقيق مهام ثلاث:"أولها، الكشف في كل نظرية عن المصلحة الاجتماعية التي ولدتها وحددتها، وهنا يتوجه هوركايمر، كما فعل ماركس، إلى تحقيق الانفصال عن المثالية الألمانية، ومناقشتها في ضوء المصالح الاجتماعية التي أنتجتها. والمهمة الثانية للنظرية النقدية عنده، هي أن تظل هذه النظرية على وعي بكونها لاتمثل مذهبا خارج التطور الاجتماعي التاريخي. فهي لاتطرح نفسها باعتبارها مبدأ إطلاقيا، أو أنها تعكس أي مبدإ إطلاقي خارج صيرورة الواقع. والمقياس الوحيد الذي تلتزم به هو كونها تعكس مصلحة الأغلبية الاجتماعية في تنظيم علاقات الإنتاج بما يحقق تطابق العقل مع الواقع، وتطابق مصلحة الفرد مع مصلحة الجماعة. أما المهمة الثالثة، فهي التصدي لمختلف الأشكال"
(1) - توم بوتومور: نفسه، ص: 206.