فهرس الكتاب

الصفحة 147 من 212

ويمكن أن نحدد بدورنا مراحل أخرى لفكر هابرماس، ففي المرحلة الأولى، انتقد الوضعية العلمية والمنطقية. وبعد ذلك، انتقل إلى الحداثة ليعتبرها دليلا على العقل التنويري مقابل النزعات اللاعقلانية التقويضية والتفكيكية، وقد اعتبر الحداثة نموذجا للتحرر من كل أنواع السيطرة، حيث تتطابق النظرية والتطبيق، والمعرفة والمصلحة ... وركز أيضا على الاتصال بأنواعه باعتباره وسيلة لبناء المعرفة، وليس مجرد تبادلها، كما أشار إلى ذلك في كتابه (الاتصال ونشوء المجتمع) (1976) . وقد أعاد للقيم والمعايير الاجتماعية أهميتها، وتبنى الكفاءة الأخلاقية مضمونا للاتصال الاجتماعي، في كتابه (نظرية الفعل الاتصالي) (1981 م) . لكن هابرماس ينتقد (مابعد الحداثة) التاريخية ابتداء من عام 1985 م، حيث يرجع فشلها إلى اختلال التوازن بين القيمة المعنوية والقيمة المادية؛ مما حول عقلانية التنوير إلى حالة مرضية، وتلك هي الحال التي يصف بها تصور فرانسوا ليوتار وجان بودريار لما بعد الحداثة [1] .

المطلب الخامس: النظرية النقدية في الميزان

من أهم إيجابيات النظرية النقدية أنها تنتقد التوجهات الرأسمالية بالتقويض والتشريح والتفكيك، وتنتقد النظريات العلمية والوضعية التي أهملت الإنسان والذات والمجتمع والمصلحة الاجتماعية والقيم الأخلاقية، واعتبرت الإنسان موضوعا مشيأ، تتحكم فيه الحتميات الجبرية، وأنه لاقوة له ولافاعلية في صنع التاريخ أو تغيير المجتمع. ومن ثم، فقد جاءت النظرية النقدية لتصحيح أوضاع المجتمع، وتغييرها بتعرية المؤسسات الرأسمالية المهيمنة، وفضح أوهامها الإيديولوجية، وتطوير المفاهيم الماركسية في ثوب جديد، أو

(1) - توم بوتومور: نفسه، ص: 162 - 163.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت