إذا كانت البنائية ترى أن المجتمع هو الذي يؤثر في الذات، فإن التفاعلية ترى، عكس ذلك، أن الذات هي التي تؤثر في المجتمع. بمعنى أن الناس هم الذي يؤسسون المجتمع بأفعالهم وتصرفاتهم وسلوكياتهم الواعية والهادفة. ويسمى هذا المنظور بالتفاعلية الرمزية؛ لأن الأفراد، في تواصلهم وتفاعلهم، يستخدمون الرموز والإشارات والعلامات والأيقونات والإيماءات. ومن ثم، تتخذ أفعالهم طابعا نسقيا زاخرا بالدلالات السيميائية والرمزية التي تستوجب الفهم والتأويل. وتعد اللغة أهم عنصر لدى هؤلاء، مادامت تؤدي دورا تواصليا ورمزيا.
وينطلق أنصار هذه النظرية التفاعلية الرمزية من أن المجتمع هو الذي يشكل الأفراد ويصنعهم، ولكن للفرد أيضا دور وفعل إبداعي في صنع هذا المجتمع بأفعاله الرمزية والتواصلية، كما يرى رائد هذه المدرسة وليام توماس (W.L.Thomas) . ومن ثم، فهناك تفاعل متبادل بين الذات والمجتمع، مثل تفاعل المدرس مع التلميذ بشكل مزدوج.
هذا، وقد تبلورت التفاعلية الرمزية في أحضان مدرسة شيكاغو السوسيولوجية التابعة لجامعة شيكاغو. وقد تبلورت هذه المدرسة، في البداية، في نهاية القرن التاسع عشر الميلادي لدراسة السلالات الإثنية والعرقية، ومشاكل المهاجرين، وانحراف الشباب في المدن الكبرى في الولايات المتحدة الأمريكية، باستخدام مختبرات اجتماعية، ومن أهم رواد هذه المدرسة ويليام توماس (William I. Thomas) وروبرت بارك (Robert E. Park.) . وبعد ذلك، ظهر جيل جديد من الباحثين، بعد الأربعينيات من القرن الماضي، اهتموا بدراسة المؤسسات والأوساط المهنية والحرفية، وقد استخدموا