بحيث لانجد اختلافا في التحليل وأسلوب التفكير بينه وبين كونت، وإن كان هذا الأخير قد وسع دائرة الوضعية وجعل منها نظرية متكاملة ذات بعد فلسفي تستوعب كل التراث الإنساني في ماضيه وحاضره، وجعل منها منطلقا في التحليل يمتد إلى كل أطراف العلوم الطبيعية منها والاجتماعية والإنسانية. وتكمن العقدة التي وجهت الوضعية في هذه المعادلة البسيطة: أن التفكير الديني ساد في المجتمعات ماقبل العلمية، أما وقد بلغ المجتمع مرحلة الوضعية، فلامبرر للاحتفاظ بالتجريدات والبراهين الميتافيزيقية ...
فالتحول من التفكير اللاهوتي إلى التفكير العلمي الوضعي حسب سان سيمون هو أمر واقعي يتفق مع السير العام لتقدم العقل الإنساني. ولكن سان سيمون لايقف عند هذا الحد في تبرير قيام التفكير الوضعي، بل يذهب إلى أبعد من ذلك، فهذا التحول ليس ظاهرة تاريخية فحسب يعبر عن المراحل التي قطعها العقل الإنساني، بل إن الثورة العقلية تعتبر تحولا يستجيب للثورة المعاصرة. فهي ضرورة من ضروريات هذا العصر. وقد وضع سان سيمون بذرة المذهب الاجتماعي كما بلوره كونت، فعلم الإنسان حسب كونت سيكون موضوعه الأساسي هو إعادة النظر في التاريخ من الوجهة الوضعية ... والنظر في التنظيم الاجتماعي من وجهة علمية هو قبل كل شيء فهمه في سيرورته وإدراج كل عنصر من عناصره في التتابع الزمني. وعلى هذا الأساس، فإن وظيفة علم الإنسان ستكون متعارضة تماما مع الوظائف القديمة التي تؤديها المعرفة اللاهوتية أو الفلسفية. فهذا العلم لن يكون أبدا من وظيفته اضطهاد الفكر وإبعاده عن المشاكل الواقعية." [1] "
(1) - محمد محمد أمزيان: نفسه، ص: 43 - 44.