لقد اتجه دوركايم إلى العشائر الأسترالية باعتبارها شعوبا بدائية تمثل صورة المجتمع البدائي الذي لايزال يحتفظ بالمظاهر الدينية الأولى، وقد اعتقد دوركايم أنه وجد الصورة الأولى للنظام الديني في عبادة الطوطم، وهو رمز تتخذه الجماعة أو العشيرة لنفسها، ولهذا فحينما تتجه العشيرة بالعبادة نحو الطوطم، فهي تتجه في الواقع عن طريقه إلى العشيرة نفسها أي عبادة نفسها، فالمجتمع هو المعبود، والعاطفة الدينية مجرد صورة مجسدة من العاطفة الاجتماعية. أي: مجرد صورة تأليه للجماعة.
لقد قدم دوركايم أدلة على صحة استدلالاته، ولسنا في حاجة إلى ذكر هذه الأدلة، ولكن نذكر فقط أن الثابت هو أن النظام الطوطمي ليس نظاما دينيا كما أكد ذلك عالم الاجتماع الديني روجي باستيد، ولكن ذلك لم يمنع دوركايم من تشييد نظريته العلمية في دراسة الظاهرة الدينية، ولم يمنعه من أن يقرر أن الله هو المجتمع نفسه، وله كل خصائص الألوهية. فهو الذي يجرنا إلى خارج أنفسنا، ويلزمنا بالتوافق مع مصالح أخرى غير مصالحنا، وهو الذي علمنا كيف نسيطر على شهواتنا وغرائزنا، وأن نضع لها القوانين، وهو الذي علمنا أن نتضايق وأن نمتنع وأن نضحي وأن نخضع غاياتنا لغايات أكثر سموا." [1] "
وقد تأثر موس (Mauss) بإميل دوركايم في دراسة الظواهر الدينية، بالاعتماد على المقترب السوسيولجي في"دراسة لم يكملها خصصها لدراسة ظاهرة الصلاة، وقد عمد"
(1) - محمد محمد أمزيان: نفسه، ص: 62 - 63.