نموها وتطورها واتساعها ظهر فيها التخصص والتباين أو ما يعبر عنه باللاتجانس. فالمجتمع ينشأ في صورة بسيطة ثم يأخذ حجمه في النمو، وعدد أفراده في التكاثر، وهذا النمو يتبعه تميز في الأعضاء والهيئات وتعقد في التركيب. وفكرة التطور عند سبنسر لها إيحاء دارويني أصيل. فالمجتمع في نظره كالفرد يعتوره التطور، ويخضع لقوانينه التي لاترحم وهي: النشوء، والارتقاء، ثم الانحلال. فالوحدة السياسية تنمو من الأسرة والقبيلة، فالمدينة والدولة ثم هيئة الأمم. وكذلك سائر النظم الاقتصادية وغيرها فهناك نظم تولد وأخرى تفنى، فالمجتمع يخضع للقوانين نفسها التي يخضع لها الكائن الحي في نشأته وارتقائه وانحلاله، ومهمة علم الاجتماع هي محاولة معرفة نشأة المجتمع وتركيبه وعناصره وهيئاته ومراحل نموه ... والنظم الاجتماعية بدورها تخضع للمبدإ نفسه في تطورها وارتقائها من حالة التجانس إلى حالة اللاتجانس. أي: مرحلة التباين والتخصص، وهي في عملية تطورها هذا تخضع لنوعين من العوامل: النوع الأول: عوامل داخلية وهي التي تتمثل في الناحية الفردية، فالأفراد لهم دور خاص في تشكيل ظواهر المجتمع وفق خواصهم وتكوينهم العقلي والعاطفي. والنوع الثاني: عوامل خارجية تتمثل في البيئة، وهي ظروف المجتمع الطبيعية والمناخية والجغرافية التي تؤثر على الأفراد، وبالتالي على الظواهر الاجتماعية التي لاتعدو أن تكون مجرد نتيجة لأوجه نشاط الأفراد في هذه البيئة. فالفرد هو العامل الحاسم في إنشاء الظواره وتطورها، وإن كان يخضع في ذلك لطبيعة الظروف البيئية التي يعيشها وتشكل طبيعته." [1] "
وعليه، يرتكز الفكر العضوي عند سبنسر على مجموعة من الثنائيات، مثل: ثنائية البساطة والتركيب، وثنائية اللامتجانس والمتجانس، وثنائية التباين والتكامل، وثنائية المتماثل
(1) - محمد محمد أمزيان: منهج البحث الاجتماعي بين الوضعية والمعيارية، ص: 109 - 110.