فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 212

وربما كان التفكير الوظيفي يحتل مكانة الصدارة بين التقاليد النظرية في علم الاجتماع لوقت طويل، ولاسيما في الولايات المتحدة. وكان تلكوت بارسونز وروبرت ميرتون، وقد نهل كلاهما من أفكار دوركايم، أبرز الداعين إلى هذا التيار، غير أن الشعبية التي كانت تتمتع بها المدرسة الوظيفية قد مالت إلى الأفول في الآونة الأخيرة، بعد أن اتضح ماتعانيه من أوجه القصور والثغرات. ومن جملة ما يوجه لها من انتقادات أنها تغالي في التشديد على العوامل المؤدية إلى التماسك الاجتماعي على حساب العوامل الأخرى التي تفضي إلى التجزئة والصراع. إن التركيز على نواحي الاستقرار والنظام يعني التقليل من أهمية التقسيمات والتفاوتات التي تنشأ في المجتمع على أساس الطبقة والعرق والجنس. كما أن الوظيفيين يميلون إلى التقليل من دور الفعل الاجتماعي الخلاق في المجتمع. ويرى كثير من النقاد أن التحليل الوظيفي يسبغ على بعض المجتمعات صفات اجتماعية لاتوجد فيها. ذلك أن الوظيفيين كثيرا ما يقولون: إن للمجتمع حاجات، وإن له أهدافا على الرغم من أن هذه المفاهيم لاتصدق إلا على الأفراد من البشر. [1] ""

ومن جهة أخرى، يستند الاتجاه الوظيفي إلى التجربة العقلية، واستخدام المنهج المقارن كما وكيفا، وملاحظة النتائج المترتبة على حدوث الاضطرابات في المجتمع وتحليلها.

ومن أهم الانتقادات الموجهة إلى هذا الاتجاه أنه تيار إيديولوجي محافظ، يهدف إلى خلق مجتمع منظم ومتناسق ومتماسك ومستقر اجتماعيا، يخلو من الصراع والتناقضات الجدلية. لذا، يعتبر النظام أو التوازن أو الاستقرار الهدف المنشود الذي يسعى إليه هذا الاتجاه السوسيولوجي. وفي هذا، تقول وسيلة خزار:"يجمع النقاد على الطابع الإيديولوجي المحافظ للاتجاه البنائي الوظيفي، والذي يتضح بجلاء في قيامه على مسلمة أساسية تتمثل في وحدة وترابط أجزاء النسق ووظائفه، وفي تأكيده المبالغ فيه لأهمية التكامل والتوازن والاستقرار داخل المجتمع، هذا فضلا عن اعتماده الكبير على تشبيه"

(1) - أنتوني غيدنز: نفسه، ص: 74 - 75.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت