فهرس الكتاب

الصفحة 156 من 216

وفي يوم عاشوراء من هذا الشهر نصَر الله - تعالى - موسى والمؤمنين معه مرَّة أخرى في آيةٍ كبرى، كما بيَّن - سبحانه - ذلك في آياتٍ على مرِّ الزمان تُتلَى؛ قال - تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ * فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ * فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ * فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ * فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الشعراء: 52 - 62] .

وذلك أنَّ الله - سبحانه - أمَر موسى أنْ يتوجَّه إلى حيث أمَر الله، فعند ذلك استَنفَر فرعون جندَه - لعَنَهم الله - وسارُوا في أثر موسى ومَن معه من المؤمنين؛ يُرِيدون إبادَتَهم والقَضاءَ عليهم عن آخِرِهم، غير مستثنين، فانتَهَى موسى - عليه السلام - بِمَن معه من المؤمنين إلى البحر، ولحق بهم فرعون وجنده، وهنالك تَزايَد قلق قوم موسى واشتدَّ خوفُهم من عدوِّهم، فالعدوُّ خلفَهم والبحر أمامَهم، ولا وسيلةَ لهم لمجاوزته، فعندئذٍ قالوا لموسى: {إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} [الشعراء: 61] ، فأجابهم إجابةَ المتوكِّل على ربِّه الواثق بنصره: {قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الشعراء: 62] .

فعندئذٍ أوحى الله إلى موسى: {أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ} [الشعراء: 63] ، فصار البحر فيما ذكَر أهل التفسير اثني عشر طريقًا، لكلِّ سبط من بني إسرائيل طريقٌ، وبعَث الله ريحًا على قعر البحر فلفحته فصار يبسًا كوجه الأرض، وأمَر الله موسى وقومَه أنْ يَسِيرُوا عليه، ودخَل فرعون وجنودُه خلفَهم على الطريق مطمئنِّين إليه، فلمَّا تَتَامَّ أصحاب موسى خارِجِين وتَتَامَّ فرعون وجندُه داخِلِين اضطمَّ عليهم البحر فأغرَقَهم الله في الماء الذي كانوا به يفتَخِرون، بعد أنْ أنجى الله موسى وقومه، وأمنهم ممَّا كانوا يحذرون؛ قال - تعالى: {وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ * وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 64 - 67] .

فما أعظم المعجزة! وما أجلَّ العبرة! لكن لِمَن أَلقَى السمع وهو شهيد، فاللهم لك الحمد على عظيم نصرك لأوليائك، وشديد انتقامك من أعدائك، ولك الشكر على جزيل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت