لله استكبارًا، {خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} [مريم: 59] .
وغَيٌّ: قيل: إنَّه وادٍ في جهنَّم؛ شديدٌ حرُّه، بعيدٌ قعرُه، عظيمٌ هولُه.
فيا ويحهم ما أعظَمَ ما ارتكبوا، ويا ويلهم ما أسوَأَ ما اجترَحُوه في حق الرب الكريم المنعِم العظيم، مع أنهم في غاية الافتِقار إليه في حركات أنفاسهم، ودقَّات قلوبهم، ونبضات الدم في شرايينهم، فلو سكتَت القلوب فمَن يحركها؟ ولو انقَطعت الأنفاس فمَن يَصِلُها؟ ولو تجمَّدت الدماء في العروق فمَن يدفَعُها؟ {قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ} [عبس: 17] ، ويحَه ما أغدَرَه! فمَن لهم غير الله لو كانوا يعقلون؟
أيُّها الإنسان الفقير:
ويحكَ؛ تعصي ربَّك الملك الكبير الذي لا غنى لك إلاَّ به، أم تتَكبَّر عن طاعة جبَّار السَّماوات والأرض وأنت منقلبٌ إليه؟ ابن آدم، أيُّها الكسلان، يا مَن تسمع الأذان فلا تجيب داعيَ الرحمن، بل تبقَى أسيرَ الشيطان، في البيوت مع النساء والولدان، هل تذكَّرت {كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ} [القيامة: 26 - 30] .
ويحك؛ بأيِّ وجهٍ تَلقَى الله؟ أبوجه إبليس الذي استَكبَر وأبى فأبلس من كلِّ خيرٍ في الدنيا والأخرى؟ أم بوجه فرعون الذي افتُتِن بالملك فتجبَّر وطَغَى؟ فأغرَقَه الله في الماء، وقال في عاقبته نصَّ الكتاب: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} [غافر: 46] .
أيُّها الناس:
إنَّ تارِك الصلاة عاصٍ للرحمن ومُتَّبِعٌ للشيطان؛ فإنَّه أوَّل مَن امتَنَع عن السجود بنصِّ القرآن، وسيُحشَر مع مَن يليق به في المنزلة ويُسامِيه ممَّن سبَقَه ممَّن تمرَّد على ربِّه وبارِيه، فإنْ كان ملكًا أو رئيسًا شغَلَه ملكُه ورئاسته، فسيُحشَر مع فرعون الذي شغَلَه ملكُه ورئاسته عن طاعة الرحمن الملك الديَّان، وإنْ كان وزيرًا أو سكرتيرًا لجبَّار، فشغلَتْه وظيفتُه عن طاعة الواحد القهَّار، فسيُحشَر مع هامان وزير فرعون، ويا هول ما سيُلاقون، وإنْ كان غنيًّا أبطَرَه غِناه فلم يجب داعي الله، فسيُحشَر مع قارون تاجر بني إسرائيل الذي شغَلَه غناه عن طاعة ربِّه ومولاه، فخسَف الله به الأرض، فهو يتَجلجَل فيها إلى يوم يَلقاه،