فهرس الكتاب

الصفحة 120 من 528

على القارئ ليتوهم أن القصة كلها بذلك الطريق الصحيح المسند والواقع خلاف ذلك.

وبعد أن عرفنا أن قصة المسجد إنما هي من رواية موسى بن عقبة نعود لنقول: هناك اعتراض على الاستشهاد والاستدلال بالقصة من ناحيتين:

الناحية الأولى من جهة السند: فموسى بن عقبة رواها عن الزهري مرسلة، وقد رواها من طريق موسى بن عقبة البيهقي في دلائل النبوة من طريقين عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب مرسلة [1] ، كما رواها ابن عساكر في تاريخه، ذكره الشيخ الألباني وقال: (رواية موسى بن عقبة في تاريخ ابن عساكر(8/ 334/1) رواه بإسنادين عنه عن ابن شهاب مرسلا ً أو معضلًا بلفظ: (وجعل عند قبره مسجدا) [2] .

وبناء على ما تقدم فإن هذا المرسل لا يحتج به كما هو مقرر عند علماء الحديث، هذا لوكان سالمًا من المعارضة، فكيف وهو مخالف لما في البخاري، حيث لم يذكر تلك الزيادة هو ولا أحد ممن خرَّج تلك القصة سوى موسى بن عقبة، ثم هو مخالف للأحاديث التي تبلغ مبلغ التواتر المعنوي في المنع من بناء المساجد على القبور ولعنِ فاعلِ ذلك، مع تأخّر تلك الأحاديث أو بعضها عن هذه الحادثة؛ إذ كان لعن أولئك في مرض موت الرسول - صلى الله عليه وسلم -.

الناحية الثانية من جهة المتن: في اللفظ الذي ذكره ابن عبد البر (وبنى على قبره مسجدًا) ،هذا اللفظ قد خالفه ثلاثة من الحفاظ، روَوه بلفظ: (وجعل عند قبره مسجدًا) ، وهم: البيهقي في دلائل النبوة، وابن عساكر في تاريخه وتقدم العزْو إليهما، والثالث الحافظ ابن حجر في الفتح حيث قال في شرح الحديث الذي ساقه البخاري في كتاب الشروط من صحيحه: (وفي رواية موسى بن عقبة عن الزهري فكتب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أبي بصير فقدم كتابه وأبو بصير يموت فمات وكتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في يده فدفنه أبو جندل مكانه وجعل عند قبره مسجدًا) [3] ،

وظاهر أن (عند قبره) يختلف قطعًا عن (على قبره) ، فبناء المسجد على القبر هو الذي فيه النزاع، والذي قد وردت الأحاديث بتحريمه ولعن فاعله، وأما البناء عند القبر فيختلف باختلاف قصد الباني وليس فيه نهي لذاته فلو فرضنا أن هذا اللفظ صحيح فإنه لا دليل فيه على مطلوب القبورية.

وهناك ناحية ثالثة وهي على افتراض أن السند صحيح وأن اللفظ هو كما أورده الغماري: (على قبره مسجدًا) ، فإن التعارض قائم لا شك ولا إمكان

(1) دلائل النبوة (4/ 172 - 175) ، للإمام البيهقي، تحقيق الدكتور عبد المعطي قلعجي، طبع دار الكتب العلمية بيروت الطبعة الأولى سنة (1405 هـ - 1985 م)

(2) تحذير الساجد ص (118)

(3) فتح الباري (5/ 351)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت