للجمع، والتاريخ معروف، فقصة أبي بصير قبل السنةِ الثامنة سنةِ الفتح، والأحاديث الناهية عن اتخاذ المساجد على القبور في آخر أيام النبي - صلى الله عليه وسلم -،بعضها قبل موته - صلى الله عليه وسلم - بخمسة أيام [1] وبعضها وهو محتضر [2] فهي ناسخة لتلك القصة وبهذا لا يبقى للقبورية أي استدلال بهذه القصة.
الشبهة الثانية من شبهات القوم: أن عمر بن الخطاب ضرب خيمة على قبر زينب بنت جحش رضي الله عنها.
قلت: قصة ضرب عمر - رضي الله عنه - الخيمة على قبر زينب بنت جحش رضي الله عنها رواها ابن سعد من طريق محمد بن المنكدر، وعن موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث عن أبيه، فلفظ محمد بن المنكدر عن عمر: (أنه مرَّ على حفارين يحفرون قبر زينب في يوم صائف فقال:(لو أني ضربت عليهم فسطاطًا، فكان أول فسطاط ضرب على قبر) [3] ، ولفظ موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث عن أبيه (أمر بفسطاط فضرب على قبرها لشدة الحر يومئذ فكان أول فسطاط ضرب على قبر بالبقيع) [4] ، وهناك لفظ ثالث عن عبدالله بن ربيعة قال: (رأيت عمر بن الخطاب صلى على قبر زينب بنت جحش سنة عشرين في يوم صائف ورأيت ثوبًا مد على قبرها وعمر جالس على شفير القبر) [5] .
وهذه الألفاظ جميعها مبينة أن الفسطاط الذي ضرب أو الثوب الذي مد كما في الرواية الثالثة؛ إنما مُدَّ لإظلال الحفارين ووقايتهم من حر الشمس في ذلك اليوم الصائف، فأي دليل فيه على بناء المساجد والمشاهد على القبور؟ !،هذا إن صح، ولم أكلِّف نفسي البحث في أسانيدها لأنها حتى لو صحت لم تدل على قصد المستدل، وهذا واضح فبطل الاستدلال بهذه القصة.
الشبهة الثالثة من شبهات القوم: قصة عثمان بن عفان - رضي الله عنه - حين ضرب الفسطاط على قبر الحكم بن أبي العاص، ولفظها عند ابن سعد من طريق الواقدي سنده إلى ثعلبة بن أبي مالك قال: (رأيت يوم مات الحكم بن أبي العاص في خلافة عثمان بن عفان ضرب على قبره فسطاطًا في يوم صائف، فتكلم الناس فأكثروا في الفسطاط فقال عثمان: (ما أسرع الناس إلى الشر وأشبه بعضهم إلى بعض، أنشدكم الله من حضر نشدتي: هل علمتم عمر بن الخطاب ضرب على قبر زينب
(1) هو حديث جندب بن عبدالله - رضي الله عنه - تقدم تخريجه ص (19) 0
(2) هو حديث عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما وكلا الحديثين تقدم تخريجهما (17) .
(3) ،2، 3 والثلاثة الآثار رواها ابن سعد في الطبقات الكبرى (8/ 112 - 113) ، طبع دار صادر بيروت، وطريق موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث وهو التميمي رواه الحاكم في المستدرك (4/ 24) ، كتاب معرفة الصحابة (ذكر زينب بنت جحش) .