فكل عمل يقوم به الإنسان يجب أن يبتغي به صاحبه وجه الله، ولا يصح أن يكون الدين هنا بمعنى التوحيد؛ لأنَّه لا يصح أن يكون التقدير: مخلصين له التوحيد؛ إذ ليس لهذا التقدير معنى، كما أنَّه ليس المراد أن يكون الإخلاص مقتصرًا على التوحيد، والدين ليس توحيدًا فحسب.
ومن الخلل العام في المنهج الذي نجده في كتاب الأشباه لمقاتل ومن تابعه أنَّهم دائمًا أو غالبًا ما يذكرون الشاهد مقطوعًا عما قبله، حتى لو كان الوجه مبنيًّا على سياق ما قبله، كما يغفلون ذكر القراءة التي استند إليها وجه الشاهد، من ذلك أنَّ شاهد وجه التوحيد في الوجه الأول أيضًا عند مقاتل وهرون والدامغاني هو قوله تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ) {آل عمران: 19} [1] وهذا الوجه استند إلى أمرين: الأول، السياق الذي قبله وهو قوله تعالى: (شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَآئِمًَا بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ {18} إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ) {آل عمران 17 - 18} فيبدو أنَّ مقاتل قال بوجه التوحيد استنادًا إلى قوله تعالى: (أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ) والأمر الثاني: قراءة من قرأ أنَّ بالفتح: (أنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ) هذان الأمران هما مسوغا القول بوجه التوحيد، إلاَّ أنَّه لا مقاتل ولا من تابعه، ولا المحقق أشار إلى هذين المسوغين.
جاء في كتاب الحجة: (( قال أحمد: كلهم قرأ(إنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ) إلاَّ الكسائي فإنَّه فتح من (أنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ) قال أبو علي: الوجه:
(1) ينظر: الأشباه والنظائر ص 133 وباسم الوجوه والنظائر ص 38 والوجوه والنظائر لهرون ص 82 والوجوه والنظائر للدامغاني ص 210.