وهذا التعريف يُعدُّ وصفًا دقيقًا لـ (حتى) ، بيد أنَّه لم يشتهر، ولم يُوضَّح , ولم يُؤخذ به في شرح شواهدها، وأرى أنَّه هو المعوَّل عليه في التفريق بينها وبين (إلى) في كل مواضع ورودها في القرآن الكريم، فالأكثر والأنسب أن يقال مثلًا: سافر زيد من الموصل إلى بغداد، والمعنى معروف، ولكن لو قلنا: سافر زيد من الموصل حتى بغداد، أردنا استقصاء مواضع هذا السفر، وأنَّ زيدٍا انتقل فيه من قرية إلى قرية، ومن قضاء إلى قضاء، ومن مدينة إلى مدينة، أي: أردنا أنَّ هذا السفر تتابع من لدن زيد حتى بلغ به بغداد، وفي قولنا: سافر زيد من الموصل إلى بغداد، أردنا أنَّ هذا السفر تم بنقلة واحدة، بخلاف استعمال (حتى) التي تفيد توالي السفر وتعدد تنقلاته المتعاقبة حتى بلوغ الغاية، فـ (إلى) تكون متصلة بما ابتدأ به عاملها، أمَّا حتى فتكون متصلة بأقرب جزء قبلها، وعلى هذا النحو يُفَسَّر استعمال (حتى) ، ويُفرَّق بينها وبين (إلى) في القرآن الكريم، فقوله تعالى مثلًا: (سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ) يفيد أنَّ سلام الملائكة ظل يتنزَّل على المؤمنين المقيمين طَوال ليلة القدر، سلامًا يتصل بسلام من دون انقطاع حتى انفضاء الليل، ولم يتعيَّن هذا المعنى لو استعمل (إلى) وقيل: إلى مطلع الفجر، بل (إلى) ليس هذا موضعها، أي: باستعمال (إلى) يكون لسلام الملائكة موضعان، الأول في مبتدأ الليل، والثاني في منتهاه، وباستعمال (حتى) تتكرر مواضع بداياته المتعاقبة، والتي تعقبها غاياتها، ويستمر هذا الحال حتى مطلع الفجر.
و (حتى) في أفسامها الثلاثة، وفي جميع حالاتها تدل على انتهاء الغاية، وهذا ما صرح به النحاة، فقد قال الهروي: (( تكون حرفًا جارًّا على