الناس كان لها ذلك، وإن رأت أنه يجب تقيد صلاحياته بإجماع أهل الشورى أو برأي أكثريتهم فلها ذلك أيضًا.
قول الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم {وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله} فأضاف الشورى للمسلمين، وجعل العزم للنبي صلي الله عليه وسلم -وقد فسروه بالرأي الأخير- للرسول وحده. قالوا فهذا دليل على أن الاختيار إنما هو للأمير فقط.
الرد:-
أ- الاستدلال بالآية على المراد غير صحيح لأن الآية تلزم بوجوب الشورى ولا تنص على كيفيه الوصول للرأي الأخير فالله يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: {وشاورهم في الأمر} وهذا أمر من الله ظاهره الوجوب وإذا كان واجبًا في حق الرسول فغيره أولى بهذا، ثم يقول له: {فإذا عزمت فتوكل على الله} ولم يبن الله مستند هذا العزم والرأي الأخير الذي يكون عليه العزم هل هو رأي من استشارهم أم رأيه هو بل قال له: {فإذا عزمت} أي على رأي ما ولم ينص ما هذا الرأي هل هو رأي الرسول نفسه بعد الشورى أو رأي من استشارهم. ومن قال هنا أن العزم يكون على رأي الرسول الذي اختاره، ولو كان هو الرأي المخالف لرأي من استشارهم فقد تحكم على القرآن وقال فيه بغير علم وحمل الآية ما لم تحمل.
وقد فسر الرسول صلى الله عليه وسلم الآية عمليًا عندما استشار أصحابه في أحد فأشار جمهورهم بوجوب الخروج للقاء العدو خارج المدينة مخالفين بذلك رأي الرسول صلى الله عليه وسلم ولما أخذ برأيهم خشوا أن يكونوا قد ألزموا الرسول بشيء يكرهه فأرادوا بعد أن لبس الرسول صلى الله عليه وسلم لأمة الحرب ودرعه أن يتنازلوا عن آرائهم فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: [لا يحل لنبي أن يخلع لأمة الحرب بعد إذ لبسها حتى يفصل الله بينه وبين عدوه] وهذا معنى: {فإذا عزمت فتوكل على الله} أي إذا استقر الرأي على أمر فلا يجوز العدول عنه.