وهذا الإعجاز الاقتصادي ثابت في القرآن أيضًا، وقد سبق أن بيّنته في موضع آخر، ولكن أذكّر به هنا، للربط بين الإعجازين. قال تعالى:"إن هؤلاء يحبّون العاجلة ويذرون وراءهم يومًا ثقيلًا" (الإنسان 27) . فالناس فطروا على تفضيل العاجل على الآجل، ولهذا ثقّل الله الآخرة، ثوابها وعقابها، لكي يقلب تفضيلهم نحو الآجل (الآخرة) . قال تعالى أيضًا:"بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى" (الأعلى 16 - 17) . وقال:"ولعذاب الآخرة أشدّ وأبقى" (طه 127) .
هذا هو الإعجاز الاقتصادي في ربا النَّساء، في كل من القرآن والسنّة.
علّق د. أحمد بلوافي بأن ما جاء في الآية قد يكون المراد به هو الذمّ. والجواب أن الأصل في الإنسان، مؤمنًا كان أو غير مؤمن، أنه يحبّ العاجلة، وأن الله فطره على ذلك. وهذا يعني أنه يفضل الحاضر على المستقبل، ما دام أنهما متساويان، وهذا مشاهد ومجرّب، ولكن إذا تم تثقيل المستقبل (الآخرة) بالكمّ والنوع والزمن، وكان هذا التثقيل كافيًا وزيادة فإن المؤمن سيختار المستقبل (الآخرة) ، أما غير المؤمن فلا بد أنه يختار الحاضر (الدنيا) . ولا شك أنه بعد تثقيل الآخرة إذا اختار الإنسان الدنيا فإنه يكون غير رشيد، ومستحقًا للذمّ. ولا يستحق الذمّ مَن خُيِّر بين خيرين، أحدهما معجّل والآخر مؤجل، مع التساوي بينهما في جميع الشروط ما عدا الزمن (التعجيل والتأجيل) ، فاختار المعجّل.
علّق أحد الإخوة الحضور بأن تفضيل الحاضر على المستقبل ليس مسلّمًا، وهناك مدارس اقتصادية لا تقول به. وكان جوابي أن هذا التفضيل صحيح، ومن لم يهتدِ إليه بالعقل، يمكن أن يهتدي إليه بالنقل (القرآن) ، والقرآن يقول:"تحبّون العاجلة". ومن اهتدى إلى ذلك بالعقل أمكنه أن يتأيد أيضًا بالنقل، والنقل لا يخالف العقل، نعم