وكثير من الفقهاء يستخدمون النسيئة والنَّساء بمعنى واحد، وقليلون منهم من يميزون بينهما، وأنا أقترح في هذه الورقة الأخذ بهذا التمييز.
قال تعالى:"ما ننسخْ من آية أو نُنْسِها نأتِ بخير منها أو مثلِها" (البقرة 106) . وفي قراءة:"نَنْسأها"، أو"نُنْسِئْها" (معجم القراءات 1/ 243) ، أي نؤخرها أو نؤخر نسخها. والقراءة الأخيرة الثالثة أقرب في الرسم للقراءة الأولى.
وفي القرآن أيضًا:"إنما النَّسيء زيادة في الكفر يُضَلُّ به الذين كفروا يُحِلّونه عامًا ويُحرّمونه عامًا ليواطئوا عدّة ما حرَّم الله فيُحِلّوا ما حرّم الله" (التوبة 37) . النسيء: تأخير شهر إلى شهر، وذلك أنهم كانوا في الجاهلية يجعلون المحرَّم مكان صفَر فيؤخرونه إليه.
وفيه أيضًا قول الله تعالى عن سليمان:"فلمّا قضينا عليه الموت ما دلَّهم على موته إلا دابّةُ الأرض تأكلُ مِنْسأته فلمّا خَرّ تبينت الجنُّ أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المُهين" (سبأ 14) . والمِنسأة: العصا يؤخّر بها الشيء (مفردات القرآن للراغب ص 804، وعمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ للسمين الحلبي 4/ 192) ، لعل المقصود: تأخير اكتشاف الموت كما في الآية، والله أعلم. وربما لا يصلح استخدام لفظ"المِنسأة"إلا في هذه الحالة، وربما يصلح استخدامه في جميع الحالات، وإن كان الأصل ما ذكرناه.
الخلاصة أن"النسيئة"لم ترد في القرآن في البيع أو الدَّين أو الربا، إنما وردت في تأخير آية أو تأخير نسخها، أو في تأخير الشهر الحرام، أو في العصا التي أخّرت اكتشاف الموت.
لكن ورد في القرآن لفظ"الدَّين"، وهو بمعنى النسيئة. يقال: باعه بالنسيئة: أي باعه بالدَّين. قال تعالى:"إذا تداينتم بدَين إلى أجل مسمّى فاكتبوه"(البقرة 282