فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 33

نعم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الصرف:"إن كان يدًا بيد فلا بأس، وإن كان نَساءً فلا يصلح" (صحيح البخاري 3/ 72) ، وفي رواية أخرى: ما كان يدًا بيد فلا بأس به وما كان نسيئة فهو ربا (صحيح مسلم 4/ 100) . وربما يكون هذا الحديث الذي رواه البخاري أصلًا عند الفقهاء للقول بربا النَّساء. ذلك لأن البدلين في الصرف لا يجوز تأجيل أي منهما سواء كان هناك فضل (زيادة) في البدل المؤجل أو لم يكن. فإن كان هناك فضل كان هناك ربا نسيئة، وإن لم يكن هناك فضل كان هناك ربا نَساء. ويجب أن نلاحظ أن الصرف ضرب من ضروب البيع، لا يجوز فيه ربا النَّساء، أما في القرض فيجوز لأن القرض قائم على الإحسان، والبيع قائم على العدل، كما سبق أن قلنا.

ربا النَّساء كما قال الجصاص في أحكام القرآن لم تكن تعرفه العرب. وربما لا يعرفه كثير منهم حتى اليوم. وربا النَّساء جاء في السنّة، في أحاديث الربا، صراحة بالاسم إما في نصوص الشرع أو في نصوص الفقهاء. وفهمه عند الناس أصعب من فهم ربا النسيئة. حتى إن كثيرًا من"العلماء"ظنّوا أن 100 دينار اليوم بـ 100 دينار بعد سنة (قرضًا) ظنوا أن هذا من العدل، وحقيقته أنه من الإحسان. كذلك فإن كثيرًا من المفسرين ظنّوا أن قوله تعالى:"لا تَظلمون ولا تُظلمون"في سورة البقرة، يعني أن القرض إذا ردّه المقترض إلى المقرض كان هذا من العدل الذي لا ظلم فيه للمقترض ولا للمقرض. والحق أن هذا من الإحسان، ولولا ثواب الله للمقرض لكان المقرض مظلومًا. ومن ثم فإن معنى"لا تَظلمون"أي بالزيادة على رأس مال القرض، أما"لا تُظلمون"فمعناها: لا تُظلمون بالثواب، أي إن ثواب المقرض في القرض سيكون على قدر إحسانه في مبلغ القرض ومدته.

وبهذا ترى أن ربا النَّساء يدقّ فهمه حتى على العلماء قديمًا وحديثًا. وربما يدخل هذا في قول الغزالي (- 505 هـ) بأن مسألة الربا من أغمض المسائل، وقول ابن كثير

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت