الصفحة 11 من 67

ليصبح"العدل"قاعدة والانحراف عنه شذوذًا. ولا ينتظر إلى أن تقع المظالم والانحرافات ليتقدم لمعاقبة أولئك الظالمين طمعًا في ردع سواهم -كما تفعل الأمم المعاصرة- فليست العبرة بذلك، بل بتزكية وتطهير الإنسان والأسرة والمجتمع والبيئة ونظم الحياة كلها، بحيث يتضافر الجميع على محاصرة الشر ومصادره والتخلص منها.

وذلك -كله- يجري بقول"فصل ليس بهزل"وما ينبغي أن يتطرق ذلك إليه. فهو ليس"حمّال أوجه" [1] بحيث يستطيع كل المتنازعين أن يضموه إلى صفوفهم فيفسره المدعي ومحاموه على هواهم ليحققوا بذلك مصالحهم، ويفسره المدَّعى عليه ومحاموه كما يريدون، وتحمله النيابة على أن يستجيب لدعواها، ويفسره القضاة بما يرون، ثم تتسلسل جهات التفسير والتأويل من استئناف ونقض وإبرام وفي كل ذلك تبدّد الجهود والأموال والأعمار، ويضيع العدل أو جزء منه في تلك المتاهات، وتدمّر الطاقات لعدم وجود"القول الفصل"ولذلك كان هذا القرآن مثابة المتقين، ومرجع الأبرار، ومنبع الهداية ومصدر النور،"لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة"ولا تتشعب به الآراء"ولا تنقضي عجائبه"وهو العدل كله والحق كله والهدى الكامل والنور الشامل والمنهج الواضح.

إنه قرآن أراد قائله ومنزَّله -تبارك وتعالى- له أن يُقرأ ويُتدبَّر، ويتفكر فيه، ويعقله العالمون، ويرتّله المرتلون، ويتلوه التالون، ويتبعه المهتدون؛ فأودع الله -تبارك وتعالى- فيه كل ما يجعله جاذبًا لأصناف الخلق كافَّة، مستدعيًا لهم لقراءته، قادرًا على صنع الدوافع والدواعي والإرادات لترتيله وتلاوته.

و"وحدته"تمثّل الركن الأساس في هذا -كله- ولذلك فإنه مهما اتخذنا من الأساليب في الرجوع إليه فلن نستطيع أن نهتم بجانب من جوانبه، ونهمل الجوانب الأخرى. فإذا قلت: أنا قاض أو فقيه تهمني آيات الأحكام -وحدها- فاجمعوا لي كل ما بدئ بأمر أو نهي من الآيات

(1) اشرنا إلى أن هذه الجملة قد شاع تناقلها عن الإمام علي- رضي الله عنه - وفي نقلها عنه نظر، وراجع هامش (رقم 5 ص 21) من حلقة"الجمع بين القراءتين"سلسلة"دراسات قرآنيَّة".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت