الصفحة 16 من 67

لقد كانت أكبر الأزمات الإنسانية مع ما أنزل الله من كتاب إلى البشر ليست في رفض تلك الكتب أو عدم الإيمان بأنها من عند الله، فذلك أمر لا تصعب معالجته. ولكنها تكمن في تعامل من أنزلت إليهم معها تعاملًا بشريًا محكومًا بما تعارفو عليه فيما بينهم من مألوف لسانهم، وأنه ليس شيئًا سوى ذلك، وتجاهلهم للفرق الكبير بين اللغة حين يستعملها الإنسان للتعبير عن مكنوناته، واللغة حين يستعملها خالق الإنسان ليضمّنها نوره وهداياته لخلقه.

إن الجمل والعبارات في هذه الحالة لا تكون مجرد جمل وعبارات، بل تصبح آيات كالشمس والقمر وسائر الآيات الإلهية الأخرى. وتطوى هذه الآيات في جوانحها ما تطويه من الهداية والنور والمعاني والإجابات التي تتكشف عبر العصور بتكشف وظهور حاجات الأمم والعصور وأسئلة ومسائل الحياة وأزماتها، فكأن المعاني تتنزّل مع بروز الأزمات والمشاكل والأسئلة. فإذا كانت الجاهلية العربية قد استحالت إلى إسلام خلال ثلاث وعشرين عامًا، فإن أي عصر تالٍ وأية بيئة أخرى يمكن أن تجعل من أسئلتها أسباب نزول للمعاني الجديدة التي تنطوي الآيات عليها، ولا تبخل بتقديمها لمن يحتاجها. كل ما في الأمر أن الجاهلية العربية كانت نجوم القرآن تنزل عليها لمعالجة أزماتها وتحويلها إلى الإسلام. فالنزول القرآني يأتي بعد أن تقوم الأزمة في البيئة، وتصوغ البيئة السؤال وتنتظر الوحي.

أما في العصور التالية لعصر التنزيل -على المتلقى الأول عليه الصلاة والسلام- فإن القرآن -كلّه- موجود، وعلى البيئة ذات الأزمة - أيَّة بيئة - أن تصوغ أزماتها في شكل أسئلة محدّدة وتتجه إلى القرآن المجيد بها ضارعة مفتقرة، وتطّرح بين يديه وتثوّره -كما يقول ابن عباس- مرّة بعد مرّة لتحصل منه على الجواب الشافي. فقد يقودها القرآن إلى الكامن فيه، والمضمر في ثنايا نصّه، وقد يقودها باتجاه التاريخ تستنطقه، وإلى نماذج الأمم السابقة تسألها عن أخبارها، والأشباه والنظائر لتحلّلها وتستخرج دلالاتها، ويظل آخذًا بزمامها بهدى واستناره

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت