الصفحة 14 من 67

وإنزاله إلى البشر، وتنزيله إليهم شأنًا ربَّانيًّا ووحيًا من أمره. فاللَّفظ -آنذاك- يصير قدسيًا يتعبّد به حتى لو كان حرفا منفردا، نحو (ا، ل، م) فإنَّها تصير ألفًا ولامًا وميمًا، يثاب على تلاوة كل منها. والخطاب آنذاك لا يعبّر عن حاجات للمخاطِب عند المخاطَب يريدها منه {أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} (فاطر:15) ، {مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} (الذاريات:57، 58) . ولذلك قالها أبو الأنبياء إبراهيم بوضوح: {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ * قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ * قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ * قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ * قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ * رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} (الشعراء:70 - 83)

فأنت أيها المخاطَب -هنا- إنما تخاطَب لتعطى وترزق ولتهدى، ولتلبّى احتياجاتك -كلّها-لا في حياتك الدنيا -وحدها- بل على امتداد حياتك كلها. ذلك الامتداد الذي لا تستطيع من دوننا أن تحيط بمجالاته، وكل المطلوب منك في هذا الخطاب -كله- أن تحسن تلقيه، والإصغاء إليه، ثم تتفكر فيه. وكل فوائده عائدة لك ولأمّك الأرض ولمجالاتك الاجتماعية. هو لك في حياتك الممتدة ما بين عالم الذر، عالم الأمر، وعالم الإرادة، وعالم المشيئة، وعالم الطين - والحمأ المسنون، والبشر المستخلَف المؤتمن على الخلق -كله- حتى عالم المآل والمصير والخلود الذي تتطلع إليه بكل أشواقك، هذا العالم الذي كان أهم نقاط ضعف أبيك حين نسي فاستجاب لغواية عدوّي وعدوّه وعدوّك - الشيطان. طالبًا للخلود.

هذا الخطاب الذي يطوي كل هذه العوالم ويحيط بها ويهيمن عليها، وجه من أهم وجوه عظمته وتعاليه وإمكاناته المطلقة أن يتنزّل بأحرف وكلمات وعبارات تشبه في بعض جوانبها ما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت