كما أننا لا نستطيع أن نغفل دور بعض أهل الكتاب في ذلك حيث تواصوا على إظهار الإيمان ببعض الكتاب والكفر بالبعض الآخر ليقيموا الدليل على موضوعيَّتهم وعدم تحيُّزهم {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} (البقرة:85) ، {يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا ... } (المائدة:41) ، وقد تجاوب معهم تلامذتهم المشركون الذين قال تعالى فيهم: {كَمَا أَنزَلْنَا عَلَى المُقْتَسِمِينَ * الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ * فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ *عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (الحجر:91) فالمقتسمون هم الذين تقاسموا وتحالفوا على الصد عن سبيل الله، والصد عن تمكين الناس من الاستماع إلى القرآن واللَّغو فيه، وتقاسموا شعب مكة ليصدوا من يريد لقاء رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم- من الوفود، وتحالفوا على الكيد لرسول الله، وجعلوا القرآن عضين أي مفرّقًا، فقالوا عن بعضه: كهانة، وعن بعض آخر أساطير الأولين. إلى غير ذلك مما وصفوه به. وقيل: معنى"عضين"ما قاله تعالى: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} (البقرة:85) خلافَ من قال فيه {وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ} (آل عمران:119) . قال الراغب: وعِضون: جمع عضة، كقولهم: ثِبُون وظبون في جمع ثُبَة وظُبَة. ومن هذا الأصل العُضو، العِضو، والتعضية: تجزئة الأعضاء. وقد عضّيته قال الكسائي: هو من العضو أو من العضَةِ، وهي شجر. قال: وأصل عِضَةِ في لغة عِضَهة لقولهم: عُضيهة، وعِضوة في لغة: لقولهم: عضوان، وروى:"لا تعضية في الميراث"أي لا يفرق ما كان من تفريقه ضرر على الورثة: كسيف يكسر نصفين، ونحو ذلك. [1] فهذا الذم الشديد للتعضية واعتبارها سلوكًا لبعض أهل الكتاب وللمشركين، أو منهجًا من مناهجهم في التعامل مع القرآن كان كافيًا في الدفع إلى اكتشاف منهج لقراءته واحدًا غير معضّى، واكتشاف أنه يتمتع بـ"وحدة بنائية"تشكّل منهجًا أساسًا لقراءته وفهمه، لكن طريقة المفسرين جعلت أنظار القارئين تتجه إلى فهم التعضية بتلك الصورة التي لم تساعد على الكشف عن"الوحدة البنائية"للقرآن المجيد.
(1) انظر المفردات، مادة (عضة) . راجع أيضا: لسان العرب وتهذيب اللغة (عضو) . والحديث وارد في: النهاية، ابن الأثير الجزري 3/ 256. غريب الحديث، 2/ 7. رواه عن أبي بكر محمد بن عمرو بن حزم مرسلا. وورد في: كنز العمال، التقي الهندي 11/ 9. وقارن: تفسير ابن كثير 2/ 558.