واستيعاب العصور اللاحقة كما استوعبت ما سبقها. و"الوحدة البنائية"للقرآن المجيد لو أتيح لها من يبلورها في تلك المرحلة، وما يمكن أن تنعكس عليه من أمور لفتحت من العلم الإسلامي أبوابًا كثيرة، وعادت عليه وعلى علوم القرآن -خاصّة- بفوائد منهاجية جليلة، ولحسمت كثيرًا من الغبش الذي دار حول التنزيل، وأصلحت كثيرًا من الخلل. فما يستقيم مع القول بالوحدة البنائية التسليم بأيَّ نوع من أنواع «النسخ» المدّعاة لمناقضته للوحدة البنائية. ولا يقبل القول بوجود أو جواز وقوع تعارض عقليّ أو واقعي بين نصوص الوحي بحيث تستدعي استخدام أسلحة الترجيح. ولما كانت علوم التفسير واتجاهاته أخذت الأشكال التي ورثناها على ما فيها. ولما أصاب العقل المسلم الكسل عن التّدبّر والتّعقّل والتّفكّر والترتيل والتلاوة - حق التلاوة، ولما سقط في دركات الهجر للقرآن ليشابه أولئك الذين حُمّلوا التوراة فلم يحملوها حقّ حملها، ولأدرك أنه قد حملّ القرآن، وأنه مسؤول عن حسن حمله، والتمسّك به. وقدّر الله وما شاء فعل، والعلم أرزاق للأجيال مقدّرة كالأقوات ينزّلها الله -تعالى- للبشر بقدر. وإذا لم يلتفت إلى فعل من أنزل القرآن عليه، ويتشبث به بحيث يسود سائر المناهج فما بالك في العصور التالية؟!
إن نهاية القرن الخامس الهجري قد آذنت بانحدار العلوم العربية والدراسات الإسلامية إلى درك التقليد والترديد. فاختفت لوامع الابتكار، وتوقفت بوارق الإبداع، وأفلت شمس الاجتهاد، وصار قصارى جهد الخالف أن يعيد ويردد ما تركه السالف.
إن «نظرية الوحدة البنائية» نظرية لا تقل أهمية وخطورة عن «نظرية النظم» ، وهما: أعني «نظرية الوحدة البنائية، ونظرية النظم» يشكلان حجر الزاوية في المنظومة الداخلية التي أودعها الله هذا الكتاب لحفظه وجمعه من داخل، وعصمته من أي تغيير أو تحريف أو إضاعة أو نسيان. و أما الوسائل الخارجية من حفظ في الصدور وفي السطور وكتابة وما إليها فإنها وسائل معضدة معززة تقدم مزيدًا من وسائل «الحفظ» والتوثيق.
وقد انفرد القرآن المجيد من بين سائر الكتب المنزلة بهذه الخصوصية، فالكتب السابقة استحفظ عليها أهلها من ربانيين وأحبار بعد أنبيائها: بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ