الصفحة 13 من 67

على طبلة الأذن فتصف الصوت بالارتفاع أو الانخفاض، فإذا بلغ حد الاعتدال انتهت المشكلة الحسيّة. فإن معركة الخطاب في جانب المعنى والمغزى والهدف تكون قد بدأت آنذاك لتستمر حتى يصل المعنى الذي اشتمل عليه الخطاب إلى وعي المخاطَب، ويأخذ موقعه فيه لتبدأ مرحلة أخرى داخل وعي المخاطَب يتدافع فيها القبول والرفض، والإيجاب والسلب، والسؤال والجواب. فإذا كان الخطاب قد وضع في اعتباره حالة المخاطَب، وتضمن ما يجيب عن تساؤلاته، ويحسم تردّده، ويتصل بواقعه، ويثير كوامنه، وينبه دوافعه - وجد معناه ومضمونه موقعيهما في وعي المخاطَب، وإلا فإن الخطاب قد يعود إلى منتجه ومرسله ليُعيد النظر فيه، ويستكمل نواقصه، ويعيد إرساله. فهناك يكون الخطاب عبارة عن وسيط يتردّد بين طرفين بكل ما يحيط بهما في حركة دائبة حتى يحسم ما بينهما، وفي ذلك اختبار مستمر ومتدرج لقدرة كل منهما: المخاطِب في قدرته على تضمين خطابه معاني وتأثيرًا ومنطقًا مقنعًا يهيء وجدان المخاطَب ونفسه وسائر قوى وعيه الكامنة لقبول الخطاب وعدم إغلاق الأبواب دونه، ثم ملاحظة أهم الاعتراضات التي ثارت في نفس السامع -سواء صرّح بها أم لم يصرّح- عندما تلقى الخطاب في لحظة اتصاله الأولى به لتضمين الإصدارة الثانية للخطاب الجواب عنها. وأكثر ما تكون الأسئلة حول"الحجية"لتحقيق القناعة بالمضمون الجديد، و"الشرعية"لتجاوز عقبة شرعيّة الموروث واستقراره، والبدائل التي يقدمها الخطاب الجديد لتجاوز فكرة الخوف من الفراغ أو المجهول أوغيرهما، ثم التفوّق في ذلك -كله- على المستقر، فإذا استوفى الخطاب ذلك -كله- فقد استوفى مكوّناته ومقوّماته لخوض معركة يمكن كسبها على مستوى الوعي، وعلى مستوى الواقع. هذا الذي نقوله -كله- يمكن أن ينطبق على خطاب من بشر إلى بشر مثله.

أما حين يكون الخطاب من إله الكون والإنسان والحياة، وخالق العالمين، ومرسل المرسلين فإن الأمر يختلف اختلافًا كبيرًا. فالخطاب هنا يصبح شيئًا آخر، ويصبح مجرد اتّفاقه مع أشكال الخطاب البشري وصوره، وصيغه التعبيرية وجهًا من وجوه تعاليه وإعجازه وتجاوزه، ويصير تنزّله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت