لأتدبَّره وأستخرج القوانين والأحكام منه، فإنك لن تلبث إلا يسيرًا لتدرك أن ذلك -وحده- لن يلبي حاجتك ولن تكشف لك آيات الأحكام عن دقائقها وقد فصلت الغصن عن الشجرة، فمعاني الآيات لن تسفر لك عن وجهها حتى تقرأها في سياقها وموقعها وبيئتها، تقلب طرفك وعقلك ولبك وفؤادك، وتصيخ السمع إلى نبضات الحياة في قلبك في ذلك -كله- ولن تبلغ الغاية، ولن تدرك المراد حتى تلاحظ سائر العلاقات بين الآية وبين القرآن كله - يقودك توفيق الله -تعالى- ويصاحبك اسمه في الرحلة التي حين تتذوقها فلن تستطيع التوقف عن مداومتها، لأن القرآن بناء محكم واحد، ونظم متفرد واحد، تسري فيه -كله- روح واحدة تحوله إلى كائن حيّ يخاطبك كفاحا، ويشتبك معك في جدل شامل يجيب به عن تساؤلاتك، ويسقط عنك إصر شبهاتك، ويعيد تصميم تصوراتك وبناء قواعد ومنطلقات أفكارك، وتصحيح معتقداتك حتى يضعك على الصراط المستقيم لتستقيم على الطريقة، وتبلغ شاطئ الحقيقة. ولذلك قال الإمام الشافعي -رحمه الله- وهو ينبه إلى خطأ من تصوّر أن آيات الأحكام هي ما صدّر بأمر ونهي- قال:"ألا وإن في الأمثال لأحكامًا كثيرة" [1] .
وهذا -كله- من الكلام أو الخطاب الذي لا يصعب فهم أبعاده وعلاقاته بين أطرافه وبيئتهم، وأساليب التخاطب المتعارف عليها بينهم، ولكن حين يتعلق الأمر بالأمور التجريدية كالأفكار والنظريات والمفاهيم التي يراد صياغة خطاب يوصلها إلى الآخرين لتغيير أفكارهم وقناعاتهم، وإعادة صياغة رؤاهم ومعتقداتهم، واستبدال مفاهيم مستقرة لديهم بمفاهيم أخرى، فإن الشأن مختلف تمامًا. إذ أن الخطاب هنا يتحول إلى شيء يتوجّه إلى وعي المخاطَب لتغيير شأنه وحاله، فيشتبك خطاب المخاطِب مع وعي المخاطَب في حوار وجدل يشتد ويهدأ بحسب قوة وفاعليّة الخطاب واستقرار وعي المخاطَب وقناعاته وعاداته ومألوفاته السابقة على تلقيه للخطاب التغييريّ. وإذا كانت الآذان -آذان المخاطبين- تشتكي من طرقات ذبذبات الصوت
(1) راجع هذا ونحوه في هامش رقم (1 ص 23) من حلقة"الجمع بين القراءتين"سلسلة"دراسات قرآنيَّة".