الصفحة 37 من 67

"ولقد كتب الجاحظ عن نظم القرآن ما جعله موضوعًا لقضية الإعجاز. واقتفاه أبو بكر بن أبي داود السجستاني، وأبو زيد المبلجي (322 هـ) وأبو بكر بن الإخشيد (326 هـ) وكل هؤلاء قد تحدثوا عن هذه القضية - قضية الإعجاز في كتب حملت عنوان"نظم القرآن"، وهو العنوان الذي أسّس له الجاحظ. حتى جاء أبو عبد الله محمد بن يزيد الواسطي (306 هـ) فعالج هذه المسألة تحت عنوان:"إعجاز القرآن"ومنذ ذلك الحين وأكثر المؤلفين في هذا الموضوع جعلوا عنوانهم المفضّل"إعجاز القرآن"فقد ارتضاه الرماني (386 هـ) والخطّابي (388 هـ) والباقلّاني (403 هـ) وكثير غيرهم [1] ."

عبد القاهر الجرجاني يعدّ المتربع على القمة في الدراسات البلاغيَّة من غير منازع. ومنذ بدأنا دراساتنا النقليّة في مدارس المساجد واسما عبد القاهر الجرجاني والبلاغة يستدعي كل منهما الآخر، كما يستدعي المنطق اسم ارسطو، واسم أرسطو المنطق، وكما يستدعي اسم الإمام الشافعي أصول الفقه، واسم الأصول اسم الشافعي. ودراسات الجرجاني دراسات عالم متكلّم أشعرى فيلسوف نحويّ، وبتلك العقليّة اكتشف أن"علم النحو"قد انحرف المشتغلون به حين قصروا دوره على أواخر الكَلِم، وجعلوا موضوعه ذلك -وحده. في حين أن عبد القاهر كان يرى أن مهمة"علم النحو"الأولى أن يؤدي بمن يمهر فيه إلى المعرفة الصحيحة بتركيب الجمل، وبناء أساليب الكلام، وترابط المعاني. وأن فائدته الأساس تبرز في تمكين الكاتب من الإتيان بالتعبير المحكم المتماسك من غير ضعف أو تفكّك، وأن العناية بأواخر الكلم وضبطها بالإعراب والبناء بأنواعهما هي وسيلة من الوسائل الهامة لتحقيق ذلك. [2]

لكن الأصل هو أن يكون النحو وسيلة للكشف عن إعجاز النظم القرآني، ذلك أن عبد القاهر قد قام باستقراء لكل ما كان معروفًا في عصره من وجوه أو دلائل -كما سماها- تصلح

(1) خطوات التفسير اليياني، مصدر سابق، ص 124

(2) راجع مقدمة: دلائل الإعجاز، عبد القاهر الجرجاني. وقد أكد على أن"النظم"ليس سوى تعليق الكلم ببعضها، ثم شرح ذلك بإسهاب ودلّل عليه. فنظرية النظم عنده قائمة علىلنحو، منبثقة عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت