الصفحة 30 من 67

يقول ابن العربي:"ارتباط آي القرآن بعضها ببعض حتى تكون كالكلمة الواحدة، متّسقة المعاني، منتظمة المباني، علم عظيم لم يتعرض له إلا عالم واحد عمل سورة البقرة، ثم فتح الله لنا فيه، فلمّا لم نجد له حملة، ورأينا الخلق بأوصاف البَطَلة، ختمنا عليه وجعلناه بيننا وبين الله ورددناه إليه" [1] .

ويقول الإمام الرازي:"... من تأمل في لطائف نظم السور وبديع ترتيبها علم أن القرآن كما أنّه معجز بحسب فصاحة ألفاظه وشرف معانيه، فهو - أيضًا- معجز بسبب ترتيبه ونظم آياته ..." [2] ويقول الإمام -أيضًا-:"... أكثر لطائف القرآن مودعة في الترتيبات والروابط ..."

ومع ذلك فإن العقول تتفاوت في مواقفها واستنتاجاتها، وبعض الناس أشد إحساسا بهذه الأمور الدقيقة من البعض الآخر، وأسرع في التفطُّن لها، والكشف عنها. كما أن الإنسان مخلوق تؤثر في حركته"الدواعي والصوارف"فحملات الطعن على القرآن والاعتراض عليه التي واجهه بعض أهل الشرك بها كانت من الدوافع للبحث الدقيق في دفاعات القرآن، عن نفسه، والكشف عن سائر مطاعن أهل الشرك فيه ودحضها وتفنيدها لإثبات سلامة النظم القرآني وتنزّهه عن الاختلاف والتناقض والخلل. ليثمر البحث في سلامة النظم، ودقة التناسب، ووحدة الموضوعات، واتجاهات الأفكار نحو"الوحدة البنائية"بحيث يقول ابن العربي في القرن الخامس:"... ارتباط آي القرآن بعضها ببعض حتى تكون كالكلمة الواحدة متسقة المعاني، منتظمة المباني علم عظيم ..."كما ذكرنا آنفًا.

(1) عن: أسرار ترتيب القرآن، ص 39،40. وراجع: إعجاز النظم القرآني، التناسب البياني، أحمد أبو زيد، ص 6، منشورات كلية الآداب في الرباط، 1992. والإتقان، السيوطي 2/ 108

(2) للإمام الرازي كتاب"نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز"تبنّى فيه"نظرية النظم"ومع ذلك فإنه سار فيه على نهجه في كتبه الأخرى التي ألف أن يستعين فيها بالمنطق والطرق الفلسفية والتفريع على أصول المسائل والاستطراد الكثير. فلم يلتفت بقدر كاف إلى ما يتعلق بجمال النص وروعة النظم، وإعجاز أساليب التعبير، وهو جوهر قضية النظم. وكذلك فعل في تفسيره حيث رأيناه يتجه الوجهة ذاتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت