قلق ناب) يريدون: أن معناه غير موافق لما يليه [فصار] كالحاصل في مكان لا يصلح له، فهو لا يستطيع الطمأنينة فيه، إلى سائر ما يجيء صفة في صفة اللفظ"وساق هناك أمثلة ونماذج كثيرة، وتحليلًا وافيًا لدقائق بلاغية رائعة." [1]
لقد كان المفهوم العام لدلالة"النظم القرآني"على الإعجاز في الأجيال الأولى التي منّ الله -تعالى- عليها بأن تكون في جيل التلقي، ثم جيل الرواية معنى قائمًا في العقول والقلوب والنفوس - لم يتداول بحيث يتم إنضاجه، ووضعه في إطار المصطلحات والمفاهيم الفنيّة -شأنه شأن سائر الأمور المعرفيّة الكبرى- حتى جاء الجاحظ ليقع على مفهوم"النظم"ويكتب رسالة في"النظم القرآني"لم تصل إلينا، ولكن ضمّن بعض كتبه الأخرى المتداولة شذرات منها، وبعض الإشارات إليها، وتتابعت بعد ذلك الجهود لتبدو ناضجة سويّة على عهد عبد القاهر في كتابيه التأسيسيين: الدلائل والأسرار. وإذا كان عبد القاهر لم ينص على مفهوم"الوحدة البنائيَّة"فإن جهوده في بناء"نظرية النظم"قد شقت الطريق إليها، وأعطى كثيرًا من الدلائل الدالة عليها، وقدم المعالم الموصلة إليها، ولحكمة الرجل وبُعد نظره أطلق على كتابه المفصِّل لنظرية النظم اسم (دلائل الإعجاز) - فهي في نظره"دلائل"على أوجه الإعجاز - كما أكّد الشيخ محمد الفاضل بن عاشور. [2]
فإذا تابعنا المسيرة نجد أن أبا علي الفارسي (377 هـ) من بعد الجرجاني يعبر عن ذلك المعنى -الوحدة البنائيّة - بشكل صريح صراحة ابن العربي في قوله آنف الذكر. ففي (مغني اللبيب) لابن هشام (761 هـ) في مباحث (لا) أورد قول الشاعر:
(1) المصدر نفسه: ص 43
(2) انظر التفسير ورجاله،: محمد الطاهر بن عاشور، ص 49. وكون الجاحظ من المعتزلة لا يقلل من أهميةَّ جهوده وريادتها في هذا المجال. حتى وإن استهدف بذلك الانتصار لمذهبه الكلاميّ. وكون عبد القاهر من الأشاعرة وأنّه أراد بذلك الانتصار لمذهبهم لا يقلّل من أهميَّة إبداعه في هذا المجال. وكل منهما قد شيد جانبًا من جوانب النظرية أو أخذ بواحدة من عضَّادتي الباب.