عليها ... وجدت المعوّل على أن ههنا نظمًا وترتيبًا، وتأليفًا وتركيبًا، وصياغة وتصوّرًا، ونسجًا وتحبيرًا ..." [1] ."
والرجل لا يترك الأمر عائمًا، بل يبيّن لنا مراده بـ"النظم"بشكل دقيق:"ثبت الآن أن لا شك ولا مزيّة في أن ليس النظم شيئًا غير توخي معاني النحو وأحكامه فيما بين معاني الكلم. ثبت من ذلك أن طالب دليل الإعجاز من نظم القرآن إذا هو لم يطلبه في معاني النحو وأحكامه ووجوهه وفروقه، ولم يعلم أنها معدنه ومعانه، وموضعه ومكانه، وأنه لا مستنبط له سواها، وأن لا وجه لطلبه فيما عداها - غارّ نفسه بالكاذب من الطمع، ومسلم لها إلى الخدع، وأنه إن أبى أن يكون فيها كان قد أبى أن يكون القرآن معجزًا بنظمه، ولزمه أن يثبت شيئًا آخر يكون معجزًا به، وأن يلحق بأصحاب"الصّرفة"، فيدفع الإعجاز من أصله ..." [2] .
لقد حمل الجرجاني - بشدة- على أولئك الذين اهتموا بالألفاظ ونسبوا الإعجاز إليها في مواضع كثيرة من كتابه. فـ"الألفاظ عنده خدم المعاني، وتابعة لها، ولاحقة بها. وأن العلم بمواقع المعاني في النفس علم بمواقع الألفاظ الدالة عليها في النطق" [3] . فالألفاظ لا تتفاضل - من حيث هي ألفاظ مجردة، ولا من حيث هي كلمات مفردة - لأن التفاضل من حيّز المعاني، دون الألفاظ. وأنها ليست لك حيث تسمع بأذنك، بل حيث تنظر بقلبك، وتستعين بفكرك، وتعمل رويّتك، وتراجع عقلك، وتستجد في الجملة فهمك ..." [4] "
ويزيد في بيان مراده بـ"النظم"فيقول:"لما كانت المعاني إنما تتبيّن بالألفاظ وكان لا سبيل للمرتِّب لها، الجامع شملَها إلى أن يعلمك ما صنع في ترتيبها بفكره إلا بترتيب الألفاظ في نطقه - تجوّزوا فكنّوا عن ترتيب المعاني بترتيب الألفاظ، ثم بالألفاظ بحذف الترتيب، ثم أتبعوا ذلك من الوصف والنعت ما أبان الغرض، وكشف عن المراد، كقولهم: (لفظ متمكّن) يريدون: أنه بموافقة معناه لمعنى ما يليه [صار] كالشيء الحاصل في مكان صالح يطمئن إليه. و (لفظ"
(1) المرجع نفسه: ص 25. والمراد"بالصرفة"أنّ الله - تعالى- صرف العرب عن معارضة القرآن الكريم ولازم هذا القول: أنّ المعارضة ممكنة لولا هذا الصرف الإلهيُّ عنها.
(2) المرجع نفسه: ص 333
(3) المرجع نفسه: ص 38
(4) المرجع نفسه: ص 43