ويذكر بأركان الإيمان الذي آمن بها الرسول والمؤمنون جميعًا، وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر الذي ورد ذكره في العديد من آيات السورة ومنها الآية التي سبقت هذه - آية الحساب (284) وبعد أن دفعت آية الحساب المتقدمة درجة التوتّر والخوف والترقُّب إلى أعلى مدى جاءت الآية الأخيرة لتعالج ذلك فتزيل التوتر والقلق والخوف، واليأس من الوصول إلى النجاة من ذلك الحساب الدقيق لتعلن: انتفاء التكليف بما لا يطاق، فأنتم مطالبون بالتقوى ولكن: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} (التغابن:16) وأنتم محاسبون عن كل شيء ولكن في حدود وسعكم وطاقتكم. ولن يحمل أحد منكم من المسؤوليّة إلا ما قام به.
ثم تعلمنا الآية الدعاء وسيلة إلى إنقاذنا من تبعات نسياننا وأخطائنا، وسبيلًا إلى إزالة الإصر عنَّا - الذي حُمَّله بعض من سبقنا - ثم التضرّع إليه تعالى بأن لا يحملنا من الفرائض والتبعات والمسؤوليّات إلاّ ما نطيق، وأن يعفو عنا، ويغفرَ لنا ويرحمنا؛ لأنّه وليُّنا ومولانا، وأن ينصرنا على القوم الكافرين- الذين يصدوننا عن سبيله ويحاربوننا فيه، وينصرون الكفر على الإيمان.
فعمود السورة ومحورها الأساس -إذًا - هو التوحيد، وكل ما ورد فيها كأنّه وضع بين حاصرتين: الأولى بدايتها من (1 - 5) التي بيّنت أهم ما يسلك الإنسان في عداد المهتدين المتقين.
والثانية خاتمتها التي أكدت أن الوصول إلى ذلك لا يكفي فيه إرادة الإنسان وحده أو عمله المجرّد فهو مظنَّة الخطأ والنسيان، فلابد له من الاعتماد على الله - تعالى - والاستعانة به والتضرع إليه والاتكال عليه والإكثار من ذكره ودعائه.
وهكذا تبدو لنا السورة بناءًا ضخمًا يقوم على عمود واحد أساس هو"التوحيد"ومجموعة كبيرة من الأعمدة المساعدة أو الأوتاد الساندة والمعضَّدة تدور حوله. والله أعلم.
وبعد: فإنّ"الوحدة البنائيَّة"ما تزال في حاجة إلى جهود يقوم بها متخصصون في مختلف فروع المعارف الإسلاميَّة واللّغويّة لتستوي على سوقها، وتبرز فضائلها ومزاياها. وتأخذ موقعها الهام