وحواسَّك، وقد تتألم وتتحسَّر لمعاناتهم، وتفخر بصبرهم وجهادهم، وتقتدي وتتأسَّى بهداهم فتتغلغل الحكمة في أعطافك، وتفيض أنوار النبوات على قلبك وعقلك ونفسك ووجدانك.
إن البحث في القرآن ليس بحثًا في اللُّغة - وحدها - إذ هو بحث في اللُّغة، وفي تدافع الحق والباطل عبر تاريخ البشريَّة - كلها - منذ خلق آدم إلى يوم الدين. وبحث في الإنسان والنفس الإنسانيّة وبحث في الطبيعة وسننها وقوانينها وجدلها مع الغيب والإنسان، وبحث في عالم الدواعي والدوافع التي تدفع الإنسان نحو الحركة، وبحث في حركة الإنسان وكدحه وطبيعتها، ومن أين وكيف تستمد قيمتها، وكل ذلك تصل إليه بكلمات القرآن. ونجومه وآياته وسوره وبه كلّه.
إنّ علماءنا قد نبَّهوا إلى أن للحقائق أو الأشياء وجودًا لفظيًّا وآخر ذهنيًّا، وثالثًا واقعيًّا. فاللفظيّ تدل عليه اللُّغة. والذهنيُّ يخضع لعالم الأفكار، أو يخضع عالم الأفكار له. والثالث يخضع الإنسان وما يصدر عنه لتقييم شرعيّ أو عقليّ أو منطقيّ كلُّ بحسبه.
ومع ذلك فهو كل لا يتجزأ، ووحدة لا تتكثّر.
إنّ جمهرة المعنيَّين بالدراسات القرآنيَّة سلَّموا بالوحدة البنائيَّة على مستوى السورة؛ فالسورة وحدة، لها عمود يقوم بناؤها عليه، وذلك العمود هو موضوعها الأساس. والموضوعات الأخرى موضوعات معضّدة ساندة تدور حول ذلك العمود، وكأنّها أوتاد معضّدة ومعززّة للعمود الأساس. والقرآن بجملته يقوم على أعمدة ثلاثة: أولها: التوحيد وثانيها: التزكية. وثالثها: العمران. فالتوحيد شكَّل العمود الأساس لمعظم سور القرآن المجيد، وتدور حوله أوتاد أخرى تتناول التزكية والعمران. وقد يكون عمود السورة التزكية وتربط بالتوحيد والعمران. وقد يكون عمودها العمران ويربط بالتزكية والتوحيد. وهكذا. وإذا سُلَّم هذا فإنّه يصبح من اليسير التسليم بوحدة القرآن البنائيَّة.