الصفحة 25 من 67

من الواضح أننا لم نجد ضالتنا في الكشف عن"الوحدة البنائية"لدى الفقهاء، ولا عند الأصوليين وعلماء الكلام، كما لم نجد شيئًا من ذلك عند جمهرة المفسرين بالرغم من وجود مؤشرات قرآنيّة، وموجَّهات نبويَّة إليها. ولكننا سنجد بذورها وبراعمها الأولى لدى البلاغيَّين، وأصحاب البيان الذين التقطوا تلك الموجهات القرآنيّة، والأضواء النبويّة، وإشارات وأفهام بعض الصحابة ليبنوا عليها"نظرية النظم"و"فلسفة التحدي"والعجز عن الاستجابة إليه. وسنتتبع تلك الولادة العسرة"لنظرية الوحدة البنائية"والنشأة البطيئة المتثاقلة لها في كنف"نظرية النظم"و"فلسفة التحدي"والعجز عن الاستجابة إليه، و"النظر الموضوعي"و"فقه اللغة"و"فلسفة النحو"و"دلائل الإعجاز"وخواص القرآن ومزاياه. فتلك التخصّصات أو الأقسام هي التي تحتضن بذور"الوحدة البنائية"وتأخذ بيد الباحث إليها [1] .

أما كتب التفسير فهي ذات مشارب مختلفة -كما تقدّم، فمنها ما يشبع القول في مسائل الأحكام والقضايا الفقهية، ومنها ما ينشغل في الدقائق الكلامية، ومنها ما يفيض القول في شؤون البلاغة والبيان والبديع وقضايا النحو واللغات، ومنها الصوفي المنحي في فهم الدقائق وفهم الإشارات، ومنها التفاسير العقلية والتفاسير المذهبية ... إلى غير ذلك من ألوان وأنواع. لكنها -جميعًا- لا يجد الباحث -فيما اطلعنا عليه منها- ضالّته في بيان"الوحدة البنائية"نظرية ومحدِّدًا منهاجيًا أو يساعده على انعكاسات هذه الوحدة على الجوانب المعرفية المختلفة. لذلك

(1) نظريََّة النظم"من أهم النظريات التي فسَّر المتقدمون بها"عجز البشر وغيرهم عن الإتيان بمثل هذا القرآن. وقد اختلفوا في بيان المراد بها بعد اتفاقهم - جميعًا- على أنّ"إعجاز النظم القرآنيّ"من أهم وجوه الإعجاز أن لم يكن أهمها باطلاق. وهي نظريّة تلتقي عندها علوم اللّغة بسائر فروعها، وعلم الكلام كذلك. بحيث صار للأشاعرة ومن إليهم تصور خاص"النظريّة النظم"يقابله تصور آخر للمعتزلة، ومن وافقهم. وسنبحث تفاصيل هذه النظريّة، وما دار حولها في الحلقة الخاصة بالإعجاز من هذه السلسلة. ومن أراد أن يعجل لمعرفتها فليرجع إلى كتابي= =الجرجاني"دلائل الإعجاز، وأسرار البلاغة"وكتاب الباقلاني:"إعجاز القرآن"والجزء السادس عشر من كتاب القاضي عبد الجبار"المغني في أبواب العدل والتوحيد"وكتاب مصطفى صادق الرافعي"إعجاز القرآن والبلاغة النبويّة"وكتاب شوقي ضيف"البلاغة تطور وتاريخ"كتاب أخينا محمد جابر العلواني"نظرية النظم"، وكتاب أحمد أبو زيد"مقدمة في الأصول الفكرية للبلاغة وإعجاز القرآن"، وكتابه الآخر"المنحى الاعتزالي في البيان وإعجاز القرآن".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت