وجدتني مضطرًا للتركيز على تفسير القرآن بالقرآن ألتمسها فيه، ثم تفسير القرآن بالسنة -وهو قليل- لعلني أجد بعض بذورها فيه، ثم التفسير البياني والتفسير الموضوعي بحثًا عن أصول لنظرية"الوحدة البنائية".
لقد بحثت عن جذور هذه النظرية عند ابن عباس وأمير المؤمنين علي وغيرهما من قرّاء الصحابة فكنت أحس بها وأشعر بوجودها في العقول والقلوب، ولكن لم تجر بها الألسنة، ولم تتحرك بها الأقلام. ثم تخلّيت عن المصطلح وقلت في نفسي: إن جيل التلقي جيل فطري مطبوع، كان يعرب سليقة قبل أن يُخلق النحاة ويؤسسوا قواعد النحو، وأدركوا حجم التحدي الذي قام القرآن به، ولا بد أنهم فكروا في كل ما يمكن افتراضه وقوله في تفرّد القرآن وعجزهم عن الإتيان بمثله، أو بعشر سور أو بسورة واحدة، وتحديه للإنس والجن معًا في أن يفعلوا فلم يفعلوا ولن يفعلوا، أفلا تصلح"الوحدة البنائية"أن تكون وجهًا من هذه الوجوه التي في القرآن، تنبئ عن تفرده، وتندرج تحت ما جرى التحدي فيه؟! فلم لم تُذكر، ولِمَ لم يتحدثوا عنها؟ لكن ذلك شأن المطبوعين الذين تنشأ القواعد والقوانين والنظريات بعد أجيالهم. فهم لا يشعرون بالحاجة إلى ذلك لوجود السليقة التي يغلب أن تجعل إدراك ذلك أقرب إلى الإدراك الوجداني، تتذوقه، ولا تشعر بالدافع إلى شرحه لسواك، وإلا فإننا حين نحلل ما قاله الوليد بن المغيرة المخزومي في القرآن -وكان مشركًا- نستطيع أن ندرك بدون كبير جهد حسّه البلاغي بالقرآن، لكنه لم يستخدم أي مصطلح من تلك المصطلحات التي أنشأها البلاغيُّون فيما بعد.
قال المغيرة في القرآن وقد أراده أبو جهل أن يقول فيه قولًا يبلغ قومه أنه منكر له، وأنه كاره له، بعد أن علم أنه تحرى استماعه من محمد - صلى الله عليه وآله وسلم- وأعجب به، قال له الوليد:"وماذا أقول؟ فوالله ما فيكم رجل أعلم بالشعر، لا برجزه ولا بقصيده منَّي، ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقول شيئًا من هذا، ووالله إنَّ لقوله لحلاوة، وإنَّ عليه لطلاوة، وإنَّه لمنير أعلاه، مشرق أسفله، وإنَّه ليعلو وما يعلى". وفي رواية:"وإن َّأعلاه لمثمر، وإنَّ أسفله لمغدق"وقال لأبي جهل: دعني حتى أفكر. فلما فكر قال:"هذا سحر يؤثر، يأثره من غيره". فنزلت فيه الآيات: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَّمْدُودًا* وَبَنِينَ شُهُودًا *