الصفحة 27 من 67

وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيدًا * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (المدثر:11 - 30) [1] والتي لم يهنأ الوليد بعد نزولها بشيء حتى مات.

فالوليد -هنا- كان ناقدًا أدبيًا وهو يقارن بين أسلوب القرآن وسائر أساليب الكلام الأخرى بما في ذلك"شعر الجن"!! كما قال، لكنه حين قال:"إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ"بعد ضغط أبي جهل ووثنَّيته وتقاليده عليه كان إيديولوجيا -كما نقول اليوم- متطرفًا، وكان يدرك أنه غير صادق فيما قال. فالعرب قد عرفت الكثير من أوصاف الكلام؛ نثرًا ونظمًا وشعرًا وسجعًا، وهو دليل على إدراكها لمزايا الكلام وعيوبه، و"الوحدة البنائية"من أهم محاسن الكلام ومزاياه، فلا تغلق على وجدانهم ولا تغيب، وهي إن غابت عن البعض فلن تغيب عن الكل، وإن لم يصرحوا بها.

يقول الجاحظ:"وكلام الناس في طبقات، كما أن الناس أنفسهم في طبقات، فمن الكلام الجزل والسخيف، والمليح والحسن، والقبيح والسمج، والخفيف والثقيل، وكلّه عربيُّ، وبكل قد تكلموا وبكل قد تمادحوا وتعايبوا. فإن زعم زاعم أنه لم يكن في كلامهم تفاضل ولا بينهم في ذلك تفاوت، فلِمَ ذكروا العي والبكيء، والحَصِر والمفحَم، والخطل والمسهب، والمتشدق والمتفيهق، والمهماز والثرثار، والمكثار والهماء، ولِمَ ذكروا الهجر والهذر، والهذيان والتخليط، وقالوا: رجل تلفاعة وتلهاعة، وفلان يتلهيع في خطبه، وقالوا: يخطئ في جوابه، ويحيل في كلامه، ويناقض في خبره، ولولا أن هذه الأمور قد تكون في بعضهم دون بعض لما سمى ذلك البعض والبعض الآخر بهذه الأسماء" [2] .

ورسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم- أفصح من نطق بالضاد نهى عن بعض أنواع الكلام، وحذّر من بعض أساليبه، فروي عنه قوله:"وإن أبغضكم إليّ و أبعدكم مني مجلسا يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون" [3] وروي عنه -صلى الله عليه وآله وسلم- قوله لمن

(1) من حديث ابن عباس، أخرجه الحاكم عنه بإسناد صحيح على شرط البخاري. وانظر: الوحي المحمدي، رشيد رضا، ص 108

(2) راجع: البيان والتبيين، الجاحظ 1/ 133.

(3) رواه الترمذي في البر والصلة، باب ما جاء في معالي الأخلاق، رقم: 2018، وأحمد في مسند الشاميين من حديث أبي ثعلبة الخشني، رقم: 17278

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت