خاطبه بسجع:"أسجع كسجع الجاهلية" [1] . وفي الوقت نفسه نرى عديّ بن حاتم يظن أنَّه تعالى عنى بقوله: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} (البقرة:187) أنَّها الخيوط المعروفة في صناعة الثياب وما إليها حتى بيّن له رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم- أن المراد سواد الليل وبياض النهار [2] . ولقد كانت وحدة المبنى أو"الوحدة البنائيَّة"للكلام مع تعدُّد الأغراض وتنوع المخاطبين واختلاف أزمنتهم وأماكنهم قمة مطمح البلغاء، وميدان تنافس الفصحاء. ولذلك كان تأكيد نحو ابن عباس وابن الخطاب وعلي -رضي الله عنهم- وغيرهم على اللجوء إلى لسان العرب ولغاتهم وشعرهم لفهم ألفاظ القرآن طلبًا له وجاهته. لكنَّهم كانوا يدركون أن لسان العرب يقف عند تفسير اللفظ -وحده- أما المعاني والفوائد الجمّة التي تستفاد من تراكيب الألفاظ وسياقها فلعلها الفهم الذي عناه أمير المؤمنين عليّ -رضي الله عنه وأرضاه- بقوله:"أو فهمًا" [3] ولذلك فإن من جاء بعد جيل التلقي من أهل جيل الرواية سرعان ما اكتشفوا قواعد"البيان"وما يتحلى القرآن المجيد به منها، وأدركوا البذور الأولى لـ"نظريَّة النظم"و"التفسير الموضوعي"الذي برز حين بدأ النظر فيه على أيدي الفقهاء الذين حدّدوا أعداد آيات الأحكام بخمسمائة أو نحوها وبأحاديث الأحكام نحو ذلك [4] ، فقال بعضهم: هي بعدد آيات الأحكام. وقال عبد الله بن المبارك: هي تسعمائة. وقال بعضهم: هي ألف ومائة حديث [5] . ومهما يكن فإننا لا نستهدف هنا تحديد العدد الدقيق، ولا مناقشة الفكرة ذاتها -وإن
(1) رواه النسائي في القسامة، باب صفة شبه العمد وعلى من دية الأجنّة وشبهه، رقم: 4823، وبلفظ"سجع كسجع الأعراب"رواه مسلم في القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب دية الجنين ووجوب الدية في القتل الخطأ، رقم: 1682، وأحمد في مسند الكوفيين من حديث المغيرة بن شعبة، رقم: 17712
(2) رواه البخاري في تفسير القرآن، باب قوله {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ} ، رقم: 4240
(3) في إشارة إلى الحديث الوارد عند البخاري في الجهاد والسير، باب فكاك الأسير، رقم: 2882، ونصه:"عن أبي جحيفة رضي الله عنه قال: قلت لعلي رضي الله عنه: هل عندكم شيء من الوحي إلا ما في كتاب الله؟ قال: لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما أعلمه، إلا فهمًا يعطيه الله رجلًا في القرآن، وما في هذه الصحيفة، قلت: وما في الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر."
(4) ينظر -مثلا- كتاب عمدة الأحكام في أحاديث خير الأنام للإمام المقدسي حيث بلغ تعداد الأحاديث الواردة فيه أربعمائة وثلاثين حديثًا اقتصر فيها على الوارد في الصحيحين.
(5) بلغ تعداد أحاديث كتاب منتقى الأخبار من أحاديث سيد الأخيار لابن تيمية الجد 3955 حديثا، وقد شرح الإمام الشوكاني هذه المجموعة من الأحاديث في كتابه المشهور نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار.