إن العرب قد رأت في الكتاب الكريم مثل ما رأته في رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلَّم - فهو منهم يعرفون نسبه وحياته وأسرته وسائر التفاصيل المتعلقة بذلك، ولكن انفصاله عنهم فيما يستحيل عليهم أن ينالوه بكسبهم البشريّ، وهو النبوة والرسالة وتلقي الوحي عن الله تعالى - سبَّب لهم الصدمة، ودفعهم إلى كل تلك التساؤلات و الحيرة حتى أدرك من آمن منهم إمكان ذلك، فآمنوا بأنه بشر رسول. وهكذا صار القرآن بالنسب عربيّ اللُّغة ولكنّه وحي إلهيّ وكلماته تجمع بين سمات اللغة ومضامين الوحي، بل إنّ الوحي قد أعاد إنتاجها - إن صح التعبير- فالكلمة المستعملة فيه لم تعد كلمة قريش أو تميم أو هوازن أو هذيل، بل هي كلمة الله - تعالى -. ولذلك فإنَّنا نستطيع أن نجد أمثلة كثيرة جدًا لمفردات استعملها القرآن، وطور معانيها، وفتح الكلمة على آفاق من المعاني ما كانت معروفة أو مستعملة لدى العرب. وهذا لا يعني إحداث قطيعة بين لسان القرآن واللسان العربيّ فالنصّ على عربيّة القرآن لا يحتمل التأويل، إن المراد أن يعرف تفوّق لسان القرآن على اللسان العربيّ المألوف كما لا يعني ذلك أن نهمل سائر المعاني اللُّغوية التي كانت متداولة أو معروفة وقت النزول، بل علينا أن ندرك كيف كانت تلك المعاني بسيطة ساذجة معبرة عن مستوى فكر العربيّ في تلك المرحلة فجاء القرآن ليشحنها بمعان لم تكن معهودة من قبل، ولا تندرج تلك المعاني تحت الفكر الإنسانيّ وقدراته.
فكل الكلمات الشرعيَّة مثل «الإيمان والصلاة والزكاة والصيام والحج، والكفر والشرك والنفاق، وما إليها» كانت لها معان بسيطة في الاستعمال العربي الجاهليّ فقام القرآن بتنقيتها وشحنها بالمعاني التي أراد لها أن تحملها وتشتمل عليها، فتطويع تلك الكلمات لكل تلك المعاني بعض أوجه إعجاز القرآن الكريم.
ولم تكن قضية «الحقيقة والمجاز» ، بأن يقال: الإيمان - مثلًا - حقيقة في التصديق، مجاز في كذا حلًا ملائما لهذا الاختلاف ولا القول بأنها في المعنى الفلاني حقيقة لغويَّة، وفي المعنى الفلانيّ حقيقة شرعيَّة، فهذا لا يشكل حلًا لهذا الأمر. بل كانت الكلمة كلمة بسيطة المعنى في استعمال أهلها، فأعطاها القرآن المعاني التي أراد منّزل القرآن - سبحانه - أن