يمارسونه في عهد رسول - الله صلى الله عليه وآله وسلم - وقد سن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - لهم في ذلك حين كان يفسر لهم القرآن بالقرآن ذاته، أو يقوم بتنفيذ وتطبيق ما يوحى إليه ليبين لهم.
وقد كان ينبغي أن يتخذ ما قدمه رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - منهاجًا لا يحيد المفسرون عنه، بل يبنون عليه، وإذا كان لابد من إضافة شيء فليكن من القرآن ذاته، أو ينبغي أن يربط بالقرآن الكريم ربطًا محكمًا. فسائر القضايا اللُّغوية كان ينبغي أن يكون الحَكَم فيها القرآن ذاته ولغته وأساليبه فلا يفسر القرآن بدواوين الجاهليّة، ولا بتراث بني إسرائيل، ولا بلغة البدو، بل تكون لغته هي المهيمنة على اللّغة العربيّة، وتكون اللّغة العربيّة تابعة للغته. يبنى لسان القرآن قواعدها كلها انطلاقًا من لغته. ومن الطريف أن نذكر نموذجًا يوضح ما حدث. لقد وضعوا أحكام النحو والتصريف والاشتقاق وغيرها وفقًا للغة العرب، بل إن معاني الكلمات والعبارات قد حددت وفقًا لمراد العرب بها، فهذه الكلمة يحدد معناها العرف القرشي، وتلك يحدد معناها لسان بن تميم وتلك لهجة هذيل ... الخ. ولو أن لغة القرآن الكريم كانت مثل لغات هذه القبائل مبنى ومعنى، فأين هو الإعجاز؟ ولم انبهروا به، وكيف أدركوا تفوقه وعجزوا عن الاستجابة لتحدّيه المتكرّر؟ إن الاتفاق في المباني، واستيعاب المعاني وتجاوزها، والسموَّ بها إلى تلك الآفاق التي جعلت من مفردات القرآن مفاهيم تتجاوز كل ما تعارفوا عليه في لغاهم ذات المعاني المحدودة محدوديَّة آفاق فكر العربيّ - آنذاك - والبسيطة بساطة حياته وبيئته هي التي جعلتهم يجدون في آيات القرآن أمورًا لم يألفوها، ومعاني لم تخطر لهم قبل نزول القرآن على بال، ولذلك قالوا في البداية: إنَّه شعر، ثم قالوا: إنَّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّه سحر ثم قالوا: إنَّه شيء يفوق طاقاتنا، ويستغرب أن يأتي على لسان واحد منَّا فهو إما كلام كهان أو سحرة، أو تنزلت به الشياطين ... أو أنَّها من تعليم بشر من غيرنا ... أو ... أو.
والله- تبارك وتعالى- قال: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} (إبراهيم:4) ، فلو كان القرآن نازلًا بلغات العرب - كما هي حقيقتها - مبنى ومعنى لما احتاجوا إلى بيان النبي - صلى الله عليه وآله وسلَّم.