لقد كان السلف الذين نزل فيهم القرآن الكريم عربَ الألسن، يعرفون حق المعرفة الطاقات اللُّغويّة للسانهم، ويعرفون حدودها معرفة سحرة فرعون لحدود سحرهم وطاقاتهم فيه، والمدى الذي يمكن أن يبلغوه، ولذلك كان السحرة أول المؤمنين لأنَّهم أدركوا أن ما تحداهم موسى -عليه السلام- به يتجاوز كل مستويات السحر التي عرفوها، وبالتالي فليس هو بسحر وما ينبغي أن يكون سحرًا. وكذلك الحال بالنسبة للقرآن الكريم وبلاغته وفصاحته وسلامة نظمه.
لقد كان أبناء الجيل الأول - جيل التلقي كثيرًا ما يرجعون إلى شعر العرب ونثرهم في الجاهلية وفي صدر الإسلام فيستأنسون به في فهم بعض الكلمات والأساليب القرآنية، ولكنهم كانوا يدركون في الوقت نفسه الفروق الشاسعة بين لسان القرآن واللسان العربي، وهناك العديد من الشواهد البيانية التي أثرت عن أمير المؤمنين عمر وأمير المؤمنين علي وابن عباس -رضي الله عنهم- وغيرهم حفلت بها كتب كثيرة، منها (الكتاب) لسيبويه (180 هـ) ، و (الخصائص) لابن جنّي (392 هـ) ، و (دلائل الإعجاز) و (أسرار البلاغة) للجرجاني (471 هـ) ونحوها، وكلها تدلّ على مدى إدراكهم للبون الشاسع بين أرقى ما في اللسان العربي من مستويات البلاغة والفصاحة والنظم وبين لسان القرآن.
حتى إذا جاء عصر التدوين وبدأت المعارف والعلوم تتمايز إذا بنا نجد هممًا عالية كثيرة قد انصرفت إلى القرآن المجيد متجاوزة فنون التفسير، وضروب التأويل، وقضايا الأحكام، ومسائل القراءات إلى بيان القضايا البيانيّة، والمحسّنات البديعيّة، وضروب المعاني، والقواعد اللّغويّة، والمسائل النحويّة، فكانت هذه المعارف والعلوم من القرآن الكريم تصدر، وإليه تعود. وقد كتب أبو عبيدة معمر بن المثنى (209 هـ) كتابه الشهير (مجاز القرآن) في مجموعة مؤلفات أخرى هامة، لكن (المجاز) بقي أهمها وأشهرها. وأبو عبيدة لم يعن بالمجاز قسيم الحقيقة، بل عنى به الآية التي يجتاز أو يتجاوز ما دلت عليه بصريح لفظها فيغيره إلى معنى لم يدل اللفظ عليه مباشرة ولأول وهلة، بل جرى العبور به أو منه إلى سواه بعد التأمل في العبارة، وربما دراستها وتحليلها -كما نقول اليوم- وبذلك وضع أبو عبيدة اللبنة الأولى في صرح الدراسات