البلاغية القرآنية [1] . وإذا كان مجاز أبي عبيدة لم يكن كافيًا لولادة نظرية"الوحدة البنائية"فإن ما قدمه قد أثار قضايا بقيت تتطور حتى جاء عبد القاهر الجرجاني ليبلور"نظرية النظم". من منطلقات فكريَّة أشعريَّة.
صحيح أن الكاتبين في تاريخ العلوم القرآنيَّة اعتبروا الجاحظ مؤسسًا للدراسات الخاصة بنظم القرآن، لكن من بلورها وبنى عليها كان عبد القاهر الجرجاني. فالجاحظ (255 هـ) قد خص القرآن المجيد بمؤلفات هامة أهمها كتاباه (نظم القرآن) و (آي القرآن) وكلا الكتابين مفقودان، لم يعثر عليهما, لكنه لحفاوته بهما قد أورد كثيرًا من نصوصهما المقتبسة في كتبه الباقية. وذكر الأول في رسالة منه إلى الفتح بن خاقان (528 هـ) حيث قال:"فكتبت لك كتابًا أجهدت نفسي، وبلغت فيه أقصى ما يمكن مثلي في الاحتجاج بالقرآن، والرد على الطغيان. فلم أدع فيه مسألة لرافضي، ولا لحديثي، ولا حشوي، ولا لكافر مباد، ولا لمنافق مقموع، ولا لأصحاب النظام ولا لمن نجم بعد النظام ممن يزعم أن القرآن حق وليس تأليفه بحجة، وأنه تنزيل وليس ببرهان ولا دلالة، فلما ظننت أني بلغت أقصى محبتك، وأتيت على معنى صفتك، أتاني كتابك يذكر أنك لم ترد الاحتجاج لنظم القرآن ... وكانت مسألتك مبهمة ..." [2] .
وقد عظّم ابن الخياط في (الانتصار) للمعتزلة شأن كتب الجاحظ، وفي مقدمتها ذكر (نظم القرآن) فقال:"... ومن قرأ كتاب عمرو الجاحظ في ... نظم القرآن علم أن له في الإسلام غناءً عظيمًا - لم يكن الله - عز وجل- ليضيعه عليه، ولا يعرف كتاب في الاحتجاج لنظم القرآن، وعجيب تأليفه، وأنه حجة لمحمد على نبوّته غير كتاب الجاحظ". وإشارات ابن الخياط تنبه إلى أن الكتاب في الإعجاز القرآني، أو أن الإعجاز بعض متناولاته، وجزء من قضاياه. ولعل الجاحظ في هذا الكتاب قد ربط الإعجاز بالنظم وبخصائص بيانية أخرى يقف النظم في مقدمتها. وفي كتب الجاحظ المتداولة المطبوعة (البيان والتبيين) و (الحيوان) و (الرسائل) الكثير من النصوص المنقولة عن كتبه المفقودة أو المنبهة لبعض ما فيها من حديث عن نظم القرآن، وآي القرآن، وألفاظ القرآن، وفصاحة كلمات القرآن، وبلاغة الكلام، وأسرار أساليب التعبير
(1) انظر: خطوات التفسير البياني، د. محمد رجب البيومي.
(2) انظر: رسائل الجاحظ، ص 148