عضّوه تعضية، وفرَّقوه، واتخذوا آياته شواهد لما يذهبون إليه بدلًا من أن ينطلقوا منه كلّه في كل ما يأخذون ويدعون، ويقرؤونه باعتباره قرآنًا واحدًا لا يقبل التعضية ولا التفريق ولا التجزأة.
إن المسلمين حين قرؤوا القرآن بطريقة التجزأة متشبهين بأولئك المقتسمين بوجه من الوجوه قد فقدوا الكثير من أنوار القرآن، وآثار آياته الموحَّدة التي أحكمت فصار كالكلمة الواحدة - كما قال أبو علي الفارسي (ت:377 هـ) . وقراءة التعضية هي التي أورثتنا كثيرًا من المقولات الغَّثة التي لا يتقبلها الإحكام القرآنيّ، بل يترفع عنها؛ مثل القول"بالنسخ"لبعض الآيات و"التعارض بين بعضها"والاشتباه في بعض آخر، وما إلى ذلك مما سوف نبحثه تفصيلًا إن شاء الله في دراساتنا هذه في"علوم القرآن". من هنا يصبح تناول"الوحدة البنائيَّة للقرآن المجيد"أمرًا في غاية الأهمية. لأن إدراك هذه الوحدة سوف يساعد الباحث المسلم على حسن القراءة والترتيل، ودقَّة التلاوة، ثم استقامة الفهم إن شاء الله. فهي ركن منهاجيُّ، وليست مجرد فضيلة تضاف إلى فضائل الأسلوب القرآنيّ التي لا تحصى. فإن وجد قراؤنا في ذلك خيرًا فنرجو أن لا نحرم من صالح دعائهم، وإن وجدوا غير ذلك فليبحثوا لنا عن عذر، ونستغفر الله لنا ولهم.
أما"الوحدة"فهي مقابل للكثرة والتعدّد أيًّا كان نوع الكثرة، وأيًّا كان إطار التعدُّد. فكون الشيء واحدًا يعنى به: أنَّه ليس متعددًا، ولا قابلًا للكثرة أو التكرار. وفي"الوحدة"معنى الثناء، فإن قيل:"فلان واحد الدنيا"، أو"وحيد عصره". أريد به ذاك، فكأنَّه رغم انتمائه إلى البشر، وكونه واحدًا منهم فإن له من الخصال والمزايا الحسنة ما يجعله كأنّه انفصل عن جنسه الذي لا يتمتع بتلك الخصال منه غيره، فصار واحدًا. وقد قال الشاعر مادحًا:
فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإنّ المسك بعض دم الغزال
والقرآن المجيد منفصل عن سائر الكتب المنزلة وغير المنزلة متفوق عليها -جميعًا- بخصائصه ومزاياه، ونظمه وبلاغته وفصاحته، وهو في الوقت ذاته واحد في داخله بهذه المزايا